عن الفطريات “اضرار وفوائد” الباحث علي جبران اليافعي يكتب :

كريتر نيوز/ طب وصحة

الفطريات “Fungi” هي من الكائنات حقيقة النواة وعديمة الحركة والتي قد تكون اما وحيد الخلية او متعددة الخلايا وتعيش معظمها حياة مترممة على المركبات العضوية الميتة لبقايا الكائنات الاخرى مثل النبات و الحيوان, كما ان بعضها قد يعتبر جزء من الفلورا الطبيعية Normal flora التي تعيش على بعض اجزاء جسم الانسان او الحيوان.

وهذا الكائنات تنتشر بأعداد كبيره في الطبيعية قد تصل بالألاف لكن هناك اعداد قليلة منها ذات الاهمية الطبية والتي قد تصيب الانسان مسببة امراض تختلف في الحدة من الخفيف والذي قد يوثر من ناحية جمالية فقط الى الشديد والمهدد للحياة والذي قد يسبب الوفاة, فهناك انواع من الفطريات تصيب الطبقة الخارجية من الجلد والاظافر والشعر مسببة ما يسمى بالسعفة Tinea او ممكن ايضا تسبب بيصرة Piedra في الشعر وبعضا منها يتعمق اكثر ليصيب الطبقات العميقة من الجلد مثل الورم الفطري Mycetoma وهناك ما يتعمق اكثر ليصيب اجهزة الجسم الداخلية وصولا الى الدم والدماغ, , وفي الغالب تعتمد بعضها على مناعة الجسم ,حيث تصبح ممرضه اذا ضعفت المناعة عند الانسان.

وهناك عدد من الفطريات عندها المقدرة على انتاج السموم والتي قد تتسبب في اضرار تهدد الحياة لذلك الشخص الذي يتعرض لها عن طريق اكل طعام ملوث بتلك السموم واكثرها شيوعا هو سم الأَفْلاتُوكْسين Aflatoxin الذي تنتجه سلالات من بعض انواع الرشاشيات Aspergillus species مثل الرشاشية الصفراءAspergillus flavus و الرشاشية المتطفلة Aspergillus parasiticus ويعتبر من اخطر انواع السموم التي تنتجها الفطريات, حيث يوثر على خلايا الكبد وقد صنفه العلماء من العوامل الخطيرة والمسرطنة.

والنوع الاخر من السموم الفطرية هو سم قلواني الإرغوت Ergot alkaloid وهو سم ينتج بواسطة نوع من الفطريات يسمى الدبوسية Claviceps, وهذا النوع من الفطريات يصيب الاعشاب, حيث يوجد السم ككتلة مضغوطة تسمى الاصاليب sclerotia , وقد عرف منذ قرون بانه يسبب الاجهاض عند عدد من الحيوانات التي تتغذى على العشب الملوث بذلك السم بينما في الانسان يسبب مرض التَّسَمُّمُ بالإِرْغُوت Ergotism. وهناك انواع اخرى من السموم التي تنتجها الفطريات والتي تختلف في طرق التأثير ونوع الفطر المنتج لها.

وللفطريات ايضا اضرار اقتصادية حيث ان مقدرة البعض منها على النمو في الاماكن التي لا يتوفر فيها ابسط انواع الغذاء او تلك التي لا يوجد فيها غذاء بالكلية وانما وجود قليل من الرطوبة والاكسجين ومن هنا نجدها تنمو في اماكن مسببة تلف وفساد بعض المواد مثل الحبوب والتماثيل والاوراق والكتب والاقراص المدمجة والعدسات والمنحوتات والمواد الشمعية والجلود والملابس او تلك الادوات التي تستخدم في الجامعات كوسائل تعليمية مثل المجسمات والشموع والعظام وغيرها, بالإضافة الى الامراض التي قد تسببها في الحيوانات والنباتات.

كل ما سبق ذكره كان الجانب المظلم في الفطريات ولكن لا ننسى ان للفطريات دورا كبيرا وهاما جدًا في حياتنا اليومية, فللفطريات دورا هاما فيما يعرف بالتوازن الطبيعي او توازن النظام البيئي العام من خلال تحليل المركبات العضوية وتحويلها الى مواد سهلة وبسيطة بحيث تكون سهلة الامتصاص للفطر نفسه او الكائنات الاخرى مثل النباتات. كما ان بعض انواع الفطريات تستخدم كغذاء موسمي, ولكن يجب ان يتم تمييزها من قبل شخص متمرس وخبير حيث ان هناك تشابها كبير بينها وبين الفطريات السامة ويصعب تمييزها وقد تسبب في الوفاه اذا اخذت بشكل خاطئ على اعتبار انها من النوع السليم والمفيد. كما انها تدخل في صناعة ونضوج بعض انواع الاغذية والاجبان مثل فطر المكنسية الذي يستخدم في صناعة جبن الكممبير Camembert cheese وجبن ركفورت Roquefort cheese كمان ان بعض انواع الخمائر تستخدم كمعززات غذائية لتعزيز الغذاء بالفيتامينات وبعض العوامل المساعدة الاخرى.
وللفطريات دورا ايضا في عمليات التخمير fermentationوانتاج كثير من المركبات ذات الاهمية الطبية مثل الكحولات والدهون وبعض الاحماض مثل حمض الستريك و حَمْضُ الأوكساليك oxalic acid و حَمْضُ الغلوكونيك gluconic acid وعيرها.

وكانت الفطريات من اوائل المصادر لإنتاج المضادات الحيوية Antibiotics التي تستخدم لعلاج الامراض البكتيريا , حيث ان البعض منها ينتج عن طريق فطريات واهما البنيسيلين G Penicillin وهو العلاج الذي ينتج بواسطة انوع من المِكْنَسِيَّات Penicillium species , حيث انه في العام 1928م لاحظ الكسندر فلمنج ان نمو فطر المِكْنَسِيَّات اوقف نمو مستعمرات المكورات العنقودية Staphylococci وكان هذا بداية اهم الانجازات العلمية العظيمة, حيث ان المضاد انتج بصورة نقية في نهاية ثلاثينات القرن الماضي وقد احدث ثورة في أربعينات ذلك القرن لما كان له من فعالية في علاج جرحى الحرب العالمية الثانية وقد كان يسمى بالعلاج السحري The magic drug, لكنه الان وبسبب ازدياد اعداد البكتيريا المقاومة لذلك المضاد فقد اصبح قليل الاستخدام, وهذا الاكتشاف المذهل دفع العلماء إلى بذل مزيد من الجهود من أجل اكتشاف مضادات حيوية أخرى يمكن استخدامها في علاج ما عجز عنه البنسلين ومن بين المضادات الحيوية التي تم اكتشافها هو السيفالوسبورين cephalosporins وهذا المضاد تم عزله من نوع من الفطريات يسمى المكمومة العَسْجَدِيَّة Acremonium chrysogenum وقد كانت تعرف سابقا باسم رَأْسِيَّةُ الأَبْواغِ المكمومة Cephalosporium acremonium, والسيفالسبورين يتم تخليقه معمليا بأعداد كبيرة حيث يوجد حتى يومنا هذا خمسة اجيال من هذا الصنف.
كما ان هناك فطريات تنتج مضادات للقضاء على فطريات اخرى ومن تلك المضادات الفطرية Antifungals الغرِيزْيوفولفِيِن griseofulvin الذي ينتج بواسطة المِكْنَسِيَّةُ الغرِيزْيوفولفِيِنية Penicillium griseofulvum وهذا النوع من المضادات الفطرية يعطى عن طريق الفم لعلاج السعفات الجلدية وما تزال جهود العلماء مستمرة في سبيل اكتشاف مضادات جديدة.

فبالرغم من ان بعض الانواع من الفطريات تنتج سموما الا انه ولحسن الحظ فان عملية الانتاج لمعظم تلك السموم لا تتم في درجة حرارة جسم الانسان وانما في درجة حرارة الغرفة, كما ان الانسان استطاع ترويض وتطويع بعضا من تلك السموم واستخدامها كعلاج مثل سم قلواني الإرغوت, حيث استفاد منه لأول مره في تسهيل عملية الولادة لما له من دور في انقباض عضلات الرحم, واهم تركيبة في هذا السم هو حَمْضُ الليسرجيك Lysergic acid وقد قام الكيمائي هافمان Hofmann بخلط مجموعة مختلفة من الامينات مع حَمْضُ الليسرجيك لينتج عن هذا الخليط مركبات مثل الإرغومترين ergometrine و الإِرْغُونُوفين ergonovine, وبعدها قام نفس الشخص بالتلاعب بأمين الكحول لينتج عنه مركب الميثيرجين Methergine وهو مركب عرف منذ عقود باستخدامه في علاج نزيف Hemorrhage ما بعد الولادة.

كما ان مشتقات الارجوت استخدمت ايضا في علاج بعض الامراض التي توثر على الجهاز العصبي مثل البَاَرْكِنْسُونِيَّة Parkinsonism وايضا في علاج الحالات التي تعاني قصورا في الجهاز الوعائي الدماغي cerebrovascular insufficiency, هذا بالإضافة الى ان الأرغُوتامِين النقي pure ergotamine يتم استخدامه في علاج الشقيقة Migraine headaches

وتستخدم بعض انواع الفطريات كأحد طرق المكافحة الحيوية ليرقات البعوض Mosquito larvae وتعتبر من الطرق الصديقة للبيئة ,وتعد البعوض ناقلا اساسيا لعدد من الامراض الطفيلية مثل مرض الملاريا Malaria وبعض انواع دَاءُ الفيلاريَّات Filariasis وبعض الامراض الفيروسية مثل حمى الضنك Dengue fever والحمى الصفراء Yellow fever.

ولأنواع اخرى من الفطريات استخدامات في تطبيقات الهندسة الوراثية ومنها السكيراء الجعوية Saccharomyces cerevisiae التي تستخدم في عملية انتاج لقاح لفيروس التهاب الكبد B virus B Hepatitis .

وهكذا الحال مع جميع الميكروبات فمنها الضار ومنها النافع, وحتى الضار منها فبفضل الله سبحانه وتعالى وجهود العلماء والباحثين يتم تطويع الكثير منها وتسخيرها لخدمة البشرية, فرب ضارة نافعة.

الباحث علي ناصر محمد جبران اليافعي
باحث في الاحياء الدقيقة الجزيئية والتشخيصية -معهد البحوث الطبية –جامعة الاسكندرية

التعليقات مغلقة.