«الحوثيون» ومسيرة الوصول الى صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة

2020-09-24 18:20:28
كريتر نيوز/رصد : محمد مرشد عقابي

ذكر تقرير صحفي نشر مؤخراً تفاصيل مراحل توغل الحوثيين في صنعاء وصولاً إلى إنقلابهم على السلطة الشرعية في 21 سبتمبر عام 2014م، لافتاً إلى أن الحرب اليمنية منذ اندلاعها بعد ست سنوات من سيطرة الجماعة لم تخلف إلا حصاداً أسود كان بسبب تراكمات قديمة غذتها احتجاجات عام 2011م.

وأحتفت جماعة الحوثي في الحادي والعشرين من سبتمبر الجاري بمرور ست سنوات على ما دأبت على وصفه بـ”الثورة” التي أوصلتهم إلى السيطرة على مؤسسات الدولة في العربية اليمنية عام 2014م، في الوقت الذي أحيا فيه المناهضون للانقلاب الحوثي ما أطلقوا عليه “يوم النكبة”.

وأستعرض التقرير أولى ملامح تحويل الصراع بين الدولة اليمنية والحوثيين إلى مادة للتوظيف السياسي في الصراع الموازي، الذي كان مستعراً بين صالح وأحزاب المعارضة التي تكتلت في تجمع سياسي أطلقت عليه أسم “اللقاء المشترك” والمتشكل قبل إندلاع حروب صعدة بعام واحد، مشيراً الى تحول التوافق الجزئي بين أحزاب المعارضة حول مشروعية حروب صعدة التي بدأت في العام 2004م إلى مادة للنزاع السياسي مع إرتفاع حدة الخلافات بين حزب المؤتمر الحاكم وأحزاب “اللقاء المشترك” والتي بلغت ذروتها على وقع الإنتخابات الرئاسية حيث دعمت فيها أحزاب المعارضة المرشح “فيصل بن شملان” في مواجهة الرئيس “علي عبد الله صالح.

وتطرق الى تسلل مصطلح (الحرب العبثية) إلى مفردات الخطاب السياسي، التي بدأت تستخدمها صحف المعارضة في وصف الحرب الدائرة بين الجيش اليمني والميليشيات الحوثية التي خسرت مؤسسها في حرب صعدة الأولى في عام 2004م وشارفت على النهاية في الحرب الثانية عام 2005م قبل أن تجد طوق نجاة في الصراعات السياسية بين حزب المؤتمر وأحزاب المعارضة التي تزامنت مع نشوب حرب صعدة الثالثة التي أمتدت حتى عام 2006م.

ووفقاً لذات التقرير، فقد انقسم الخطاب الإعلامي لأحزاب “اللقاء المشترك” في تلك الفترة ما بين من يرى أن حروب صعدة ظالمة تستهدف مكوناً يمنياً وهو الأمر الذي سعت اليه الأحزاب ذات الخلفيات الفكرية الزيدية المنبثقة عن الفكر الإمامي في اليمن الذي ينتمي إليه الحوثيون مثل (حزب الحق واتحاد القوى الشعبية) وحتى الأحزاب اليسارية مثل الحزب الإشتراكي.

وأكد بان أحزاب “اللقاء المشترك” منحت للحوثيين الحق في الحياة والبقاء وهذا مثل بداية مرحلة جديدة في مسيرة الجماعة التي ظهرت شعاراتها في صنعاء بشكل علني بعد أن كانت جريمة يعاقب عليها القانون، وتلا ذلك مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني في العام 2013م بعد أن قدمت الحكومة آنذاك اعتذراً رسمياً لهم عن الحروب الست.

وأتفق كثيرون بحسب ما جاء في التقرير على أن ذلك المنعطف أعتبر نكاية في الرئيس صالح وحزبه الذي تصدر الحرب ضد الحوثيين بصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة قبل التخلي عن السلطة بموجب المبادرة الخليجية، مشيراً الى ان تحريض الخطاب الإعلامي لأحزاب اللقاء المشترك التي هيمنت على مقاليد الدولة بعد إسقاط نظام “علي عبد الله صالح” قد ساهم في محاولة إظهاره كطرف وحيد مسؤول عن الحرب ضد الحوثيين في دفعه لمحاولة فتح قنوات مع الميليشيات التي باتت موجودة سياسياً وشعبياً في صنعاء.

ونوه التقرير الى بروز تصريحات عديدة لقادة في المعارضة تشيد بالحوثيين كطرف سياسي أصيل تعرض للإقصاء خلال فترة حكم “علي عبدالله صالح” كما علّق القيادي البارز في حزب الإصلاح “حميد الأحمر” في مقابلة تلفزيونية على إكمال الحوثيين سيطرتهم على محافظة صعدة أثناء الإحتجاجات الشعبية في العام 2011م بأنه عمل ثوري يندرج في إطار إسقاط نظام “صالح” وبمثابة عودة صعدة إلى حضن الوطن على حد وصفه.

كما لفت إلى أن “صادق الأحمر” شيخ قبيلة حاشد ردد كلاماً مشابهاً لما قاله شقيقه في حوار مع قناة “الجزيرة” وصف فيه الحوثيين بـ”المضطهدين الذين تعرضوا للظلم والجور في فترة حكم علي عبد الله صالح”، ناهيك عن اعتذاره عن مشاركة قبيلته في الحروب ضد الحوثيين واعتبر ذلك نتاج لحالة التضليل الذي مارسه نظام صالح، فيما لعب شقيقهم الثالث “حسين الأحمر” وفق التقرير، دوراً مشابهاً من خلال تحوله إلى وسيط بين (الحوثيين والسلفيين) في صعدة، غير أن مواقف “آل الأحمر” التصالحية مع الحوثيين تغيرت بشكل حاد بعد قرابة عامين نتيجة زحف الحوثي إلى معاقلهم القبلية في محافظة “عمران” شمال صنعاء والتي انتهت بالسيطرة عليها وتفجير منازلهم ومحو آثارها من الوجود.

وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن الرئيس “علي عبد الله صالح” لم يتوقع تقدم الحوثيين نحو مركز محافظة “عمران” بعد أن ظن أن الزحف الحوثي سيقتصر على السيطرة على معاقل “آل الأحمر”، حيث أرسل وفداً من قيادة حزبه لزيارة الرئيس “عبدربه منصور هادي” الذي تولى السلطة في العام 2012م وتحذيره من أن سيطرة الحوثيين على محافظة “عمران” يعني سقوط العاصمة اليمنية “صنعاء” ذات الثقل السياسي والإداري والإجتماعي، غير أن مقربين من “هادي” أقنعوه بحسب المصادر مطلعة من أن “صالح” يريد الزج به في صراع جانبي مع الميليشيات الحوثية، وهو ما أعقبه قيام الرئيس “هادي” بزيارة شهيرة إلى مركز محافظة “عمران” بعد سيطرة الحوثيين عليها وإسقاط أكبر معسكراتها وهو اللواء “310” مدرع وقتل قائده “حميد القشيبي” في يوليو عام 2014م وظهر حينها على القناة الرسمية اليمنية متحدثاً من “عمران” بأن المحافظة عادت إلى أحضان الجمهورية.

وأشارت مصادر عديدة وفقاً لهذا التقرير الى ان اجتياح العاصمة اليمنية بات مسألة وقت فقط، وهو ما حدث فعلاً بعد ذلك بأشهر حين دخلت مليشيات الحوثي “صنعاء” في 21 سبتمبر 2014م وأحكمت قبضتها وسيطرتها المطلقة على مؤسسات الدولة ومعسكرات الجيش التي إنهارت بصورة دراماتيكية دون مقاومة تذكر، وهنا دارت الكثير من التكهنات حول سبب هذه الإنهزامية التي واجه بها الجيش النظامي المليشيات الحوثية وكذلك حالة التوهان والإستسلام.

مبيناً بان المعطيات حينها رجحت فشل “هادي” في التحكم بالجيش الذي رفض المواجهة بعد أن أصبح الحوثيون على بوابة عاصمة العربية اليمنية “صنعاء”، في حين كانت الفرصة متاحة لوقف زحفهم في “عمران” من خلال دعم مقاومة بعض رجال قبيلة حاشد او إسناد اللواء “حميد القشيبي” الذي تصدى للحوثيين في معسكره وقتل بطريقة إجرامية بشعة كما كشفت التقارير المسربة عن مصرعه، ولكن كل محاولات إيقاف الحوثي في عمران لم يتم إسنادها من قبل الجيش الذي كان يأتمر في ذلك الحين بأمر “هادي” بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع “محمد ناصر أحمد” الذي هو الآخر ينحدر من محافظة الرئيس نفسها (أبين)، وهو القائد العسكري الذي تدور عليه الكثير من علامات الإستفهام حول دوره الذي سهل سيطرة الحوثيين على محافظة “عمران” بعد ظهوره برفقة القائد الحوثي “أبو علي الحاكم”، ويتهم الكثير من ناشطي حزب الإصلاح (وهم إخوان مسلمون) علي عبد الله صالح في كل مرة يدور الحديث عن الإنقلاب الحوثي بتسليم معسكرات الجيش لهذه الجماعة، بينما يعتبر أنصار الرئيس الراحل الذي قتلته المليشيات الحوثية في ديسمبر 2017م أن صالح لم يكن يمتلك أي صفة رسمية بعد مغادرته السلطة.

وأوضح التقرير بان ما تعرض له الجيش اليمني العام 2012م لإعادة هيكلة تم خلالها إقالة كل القيادات العسكرية المقربة من علي عبد الله صالح بما في ذلك أقاربه وتعيين آخرين موالين للرئيس عبد ربه منصور هادي ووزير دفاعه آنذاك، والذي أشرف مباشرة على عملية الهيكلة وتم تكريمه من قبل (تنسيقية شباب الثورة) بدرع نظير جهوده في إعادة هيكلة الجيش وإضعاف سيطرة صالح.

ورأى التقرير أن هذه العملية التي وصفها أنصار “صالح” بتفكيك الجيش أحد عناصر التعقيد في المشهد اليمني، هي التي سهلت للحوثيين اجتياح صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة في هذا البلد، حيث أضعفت هذه العملية من سيطرة الرئيس الراحل على القرار في المؤسسة العسكرية والأمنية، غير أن هذه التغييرات لم تسمح للرئيس الجديد ووزير دفاعه بالسيطرة على هذه المؤسسات بشكل حقيقي وفاعل، وهو ما خلف فجوة كبيرة بين وحدات الجيش وقيادته سمحت للحوثيين بالتسلل من خلالها إلى مفاصل الدولة وتنفيذ الإنقلاب مستفيدة من الركام الهائل من الأحقاد بين صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام من جهة، وأحزاب “اللقاء المشترك” من جهة أخرى والتاريخ الطويل من التوظيف السياسي لملف صعدة.

مؤكداً في الختام بان كل هذه العوامل والمتغيرات لم تتوقف بعد الإنقلاب الحوثي، بل استمرت في مراحل لاحقة وساهمت في إفشال مشروع تحرير اليمن من الجماعة، كما أنها ساهمت في إفشال محاولة صالح لإستعادة الدولة في ديسمبر 2017م والتي دفع فيها حياته ثمناً لذلك.

التعليقات مغلقة.