اقتصاد
تطفئ فرحة البلالين وتعطل ثورة الذكاء الاصطناعي.. هل تضع حرب إيران العالم على شفا “أزمة الهيليوم الرابعة”؟

عندما يذكر غاز الهيليوم، ربما لا يتذكر البعض أي شيء عن ذلك الغاز الخفيف سوى شيئين لا ثالث لهما، فرحة الأطفال بالبلالين الطائرة في الهواء، وتأثيره على زيادة حدة أصوات الإنسان عند الاستنشاق في ذلك المشهد الكوميدي الشهير، وعندما ضربت إيران حقل إنتاج الغاز القطري في “الشمال”، الذي ينتج ما يقرب من ثلث إنتاج العالم من غاز الهيليوم بدا الأمر وكأنه إطفاء لفرحة الأطفال بالبلالين الطائرة.. هو كذلك، ولكن حصر الهيليوم وأهميته على البلالين تقليل من شأن واحد من أهم المنتجات النفطية في العالم، وتأثر حقل “الشمال” القطري سيؤثر على العالم أجمع في العديد من المناحي الاقتصادية الأساسية.. فترى في أي صناعات يدخل الهيليوم؟ وكيف سيؤثر النقص فيه بسبب حرب إيران على الاقتصاد العالمي والطب وصناعة الذكاء الاصطناعي؟
يُستخرج الهيليوم أساساً كمنتج ثانوي من الغاز الطبيعي، ما يجعل إنتاجه محصوراً في عدد محدود من الدول التي تمتلك احتياطيات غاز غنية بتركيزاته.
وفي هذا السياق، تتصدر الولايات المتحدة قائمة المنتجين عالمياً، بحصة تُقدَّر بنحو 40 إلى 45% من إجمالي الإنتاج، مستفيدة من بنية تحتية تاريخية ومخزونات استراتيجية ضخمة.
وفي المرتبة الثانية، برزت قطر لاعباً رئيسياً بحصة تتراوح بين 25 و30%، معتمدة على حقل الشمال، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، لتصبح مركزاً محورياً لتصدير الهيليوم المسال إلى الأسواق العالمية.
وهو الحقل الذي قصفته إيران وعطلت الإنتاج فيه، ودفعت قطر لإعلان حالة “القوة القاهرة” في بعض عقود الغاز المسال مع إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين في مارس 2026، وذلك في إطار إدارة إمداداتها خلال فترات التوترات الإقليمية.
أما الجزائر، فتسهم بنحو 10 إلى 13% من الإنتاج العالمي، مستفيدة من مشاريعها الغازية، خاصة في تلبية الطلب الأوروبي، فيما تعمل روسيا على تعزيز موقعها عبر مشاريع ضخمة في سيبيريا، لترفع حصتها تدريجياً إلى ما بين 5 و7%، مع طموحات لتوسيع نفوذها في السوق.
وفي نطاق أقل، تواصل أستراليا وكندا والصين إنتاج كميات محدودة، بينما تجذب اكتشافات جديدة في تنزانيا اهتمام المستثمرين، وسط توقعات بإعادة رسم خريطة الإنتاج مستقبلاً.
ورغم الطلب الصيني المرتفع للهيليوم إلا أن انتاجها لا يكفيها وتعتبر من أكثر دول العالم استيراداً للهيليوم، لتلبية احتياجاتها في صناعة الأجهزة الإلكترونية.
ويتركز نحو 70% من إنتاج الهيليوم العالمي في الولايات المتحدة وقطر وحدهما، ما يجعل السوق عرضة للتقلبات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد المرتبطة بقطاع الطاقة.
أهمية الهيليوم
أهمية الهيليوم تتجاوز كونه مجرد وقود لإنتاج الطاقة، ففي المستشفيات، يُستخدم لتبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، حيث يتيح الوصول إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق. وفي مصانع أشباه الموصلات، يوفر بيئة خاملة دقيقة لتصنيع الرقائق الإلكترونية التي تقوم عليها الصناعات الرقمية الحديثة، الأمر الذي يهدد من التطوير في الرقائق فائقة التطور المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي، بل ويزيد من أزمة الرامات الموجودة حالياً في العالم.
كما يلعب دوراً محورياً في قطاع الفضاء، إذ يُستخدم في ضغط وتفريغ خزانات الوقود في الصواريخ، فضلاً عن استخداماته في اللحام الصناعي عالي الدقة، وأبحاث الفيزياء المتقدمة التي تتطلب ظروفاً حرارية استثنائية.
ورغم ارتباطه في الأذهان بالبالونات، فإن هذا الاستخدام يمثل جزءاً محدوداً من قيمته الاقتصادية، مقارنة بدوره الحيوي في قطاعات التكنولوجيا والطب.
ومع تزايد الطلب العالمي على الإلكترونيات والتقنيات المتقدمة، تتصاعد المخاوف من نقص الإمدادات، خاصة أن الهيليوم مورد غير متجدد بسهولة، ولا يمكن تصنيعه صناعياً.
فهل مر العالم بأزمات سابقة لتناقص إنتاج غاز الهيليوم؟ وكيف تعامل الاقتصاد العالمي مع تلك الأزمات؟
في صيف عام 2017، لم يكن نقص الهيليوم خبراً علمياً عابراً، بل أزمة عالمية امتدت آثارها من المستشفيات إلى مصانع التكنولوجيا. توقفت شحنات الغاز الخفيف فجأة، بعدما تأثرت صادرات قطر، أحد أكبر موردي الهيليوم في العالم، لتبدأ سلسلة اضطرابات كشفت هشاشة هذا السوق شديد الحساسية.
لم تكن تلك المرة الأولى، فقبل ذلك بعقد تقريباً، واجهت السوق بوادر أزمة حين تراجع الإنتاج في الولايات المتحدة نتيجة تقادم البنية التحتية وتعطل بعض المنشآت، ومع كون الولايات المتحدة المنتج الأكبر عالمياً، انعكس هذا التراجع سريعاً على الإمدادات، لترتفع الأسعار وتبدأ ملامح نقص تدريجي في الأسواق.
ومع دخول العقد الثاني من الألفية، اتسعت الفجوة بين العرض والطلب، فبين عامي 2011 و2013، تزايد الطلب بشكل ملحوظ مدفوعاً بنمو صناعة الإلكترونيات، في وقت لم تكن فيه مشاريع الإنتاج الجديدة قد دخلت الخدمة بعد، ما أدى إلى اضطرابات متكررة في سلاسل التوريد.
غير أن الأزمة الأعمق برزت مجدداً بين عامي 2019 و2022، فيما عُرف في أوساط الصناعة بـ”أزمة الهيليوم الثالثة”، خلال هذه الفترة، تزامنت أعطال في منشآت إنتاج رئيسية في الولايات المتحدة مع تأخر مشاريع توسعية في روسيا، ما قلّص الإمدادات في وقت كان فيه الطلب العالمي في تصاعد مستمر.
تحت هذا الضغط، وجدت قطاعات حيوية نفسها في مواجهة نقص غير مسبوق. في المستشفيات، تأثرت أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التي تعتمد على الهيليوم للتبريد، فيما اضطرت بعض مصانع أشباه الموصلات إلى إعادة جدولة عملياتها الإنتاجية. وحتى مراكز الأبحاث العلمية واجهت تحديات في استمرار تجاربها التي تتطلب درجات حرارة شديدة الانخفاض.
أزمة الهيليوم الرابعة
وتكشف هذه الأزمات المتكررة عن طبيعة خاصة لسوق الهيليوم، إذ لا يمكن إنتاجه صناعياً، بل يُستخرج من حقول غاز محدودة حول العالم، ما يجعل الإمدادات مركزة في عدد قليل من الدول، ومع استحواذ الولايات المتحدة وقطر على نحو 70% من الإنتاج العالمي، يصبح أي اضطراب محلي في الدولتين ذا أثر دولي فوري.
وفي ظل تسارع الطلب على التكنولوجيا المتقدمة، من الرقائق الإلكترونية إلى تطبيقات الفضاء، تتزايد المخاوف من تكرار هذه الأزمات وبين جهود البحث عن مصادر جديدة، مثل الاكتشافات في أفريقيا، ومحاولات تحسين إعادة تدوير الهيليوم، يبقى هذا الغاز الصامت أحد أكثر الموارد عرضة للتقلبات، رغم دوره المحوري في تشغيل العالم الحديث، ويبقى هذا الغاز الصامت أحد الأعمدة الخفية التي يقوم عليها العالم الحديث.
مورد قد يتأثر في السنوات الخمس المقبلة بشكل دراماتيكي، بعدما أعلنت قطر أن الاستهداف الإيراني لحقل الشمال سيؤثر على إنتاجية الحقل لمدة 5 سنوات بسبب الأضرار التي لحقت بالحقل والمنشآت الاستخراجية، ليصبح العالم على شفا “أزمة الهيليوم الرابعة”.
فهل يستطيع العالم التعافي من تلك الأزمة سريعاً؟ أم يعاني منها الطفل بافتقاد البالون، والمريض في المستشفيات لتوقف الأجهزة المتطلبة للغاز، وصناعة الرقائق الإلكترونية في كل الدول الصناعية عالمياً؟