الغرام بـ25.6 مليون دولار.. ما سر أغلى مادة مشعة في العالم؟

كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
في عالم المواد النادرة، هناك نظير مشع لا يُنتج إلا بكميات ضئيلة للغاية، لكن سعر الغرام الواحد منه يصل إلى 25.6 مليون دولار. إنه كاليفورنيوم-252 (Cf-252)، أحد أغلى النظائر المشعة، والذي يتميز بقدرته الاستثنائية على إطلاق النيوترونات، ما يجعله ذا أهمية كبيرة في عدد من التطبيقات النووية والصناعية.
لكن ارتفاع سعره لا يرتبط بخصائصه النووية وحدها، إذ إن إنتاجه عملية شديدة التعقيد وتستغرق وقتا طويلا. ولهذا السبب، طور باحثون في مختبر أوك ريدج الوطني بولاية تينيسي الأميركية طريقة جديدة يمكنها اختصار إحدى أهم مراحل إنتاجه بنحو أسبوع، في خطوة قد توفر وقتا وتكاليف كبيرة في تصنيع هذا النظير شديد الندرة.
ويُنتج كاليفورنيوم-252 بكميات بالغة الصغر، إذ تشير التقديرات إلى أن مختبر أوك ريدج ينتج أقل من غرام واحد منه سنويا. وتُقدّر قيمة الغرام الواحد بنحو 25.6 مليون دولار ما يجعله من أغلى المواد المعروفة.
ما هو كاليفورنيوم-252؟
يتميز كاليفورنيوم-252 بظاهرة تُعرف باسم الانشطار التلقائي، ما يعني أن نوى ذراته يمكن أن تنشطر من تلقاء نفسها، مطلقة أعدادا هائلة من النيوترونات.
ويمكن لميكروغرام واحد منه إطلاق ما يقارب 140 مليون نيوترون في الدقيقة، وهي خاصية تجعله مصدرا قويا للنيوترونات وتفسر قيمته في العديد من التطبيقات المتخصصة.
وتمنحه هذه القدرة استخدامات متعددة، من بينها بعض التطبيقات المرتبطة بالمفاعلات النووية، فضلا عن استخدامات صناعية، مثل الكشف عن بعض أنواع التلوث في الفحم، والمساعدة في عمليات استكشاف آبار النفط، إلى جانب تطبيقات مرتبطة بالأمن القومي.
ويُنتج النظير في مختبر أوك ريدج عادة على دفعات كل عامين تقريبا، من خلال عملية معقدة تبدأ بقصف عنصر الكوريوم المشع بالنيوترونات داخل مفاعل نووي، ما يؤدي تدريجيًا إلى تكوين عناصر أثقل، من بينها الكاليفورنيوم.
لماذا يستغرق إنتاجه وقتا طويلا؟
بعد تعريض المواد المستهدفة للإشعاع، تُنقل إلى منشأة شديدة الحماية، حيث تخضع لمعالجة كيميائية دقيقة لفصل كاليفورنيوم-252 عن مجموعة من العناصر والمواد المشعة الأخرى، مثل الأمريسيوم والكوريوم والسيريوم.
وكانت إحدى أكثر مراحل العملية استهلاكًا للوقت تستغرق نحو أسبوعين، لأن المحلول الكيميائي كان يحتاج إلى خفض مستوى حموضته قبل بدء عملية الفصل.
لكن الباحثة في الكيمياء الإشعاعية ليتيشيا ديلمو طورت طريقة جديدة تعتمد على مذيب متعادل، ما يسمح بفصل كاليفورنيوم-252 مباشرة من المحلول شديد الحموضة، دون الحاجة إلى فترة الانتظار الطويلة.
والنتيجة كانت الوصول إلى النتيجة نفسها التي توفرها الطريقة التقليدية، مع تقليص مدة مرحلة الفصل بنحو أسبوع كامل.
أسبوع أقل.. وتوفير كبير
قد يبدو اختصار أسبوع واحد أمرا بسيطا، لكنه يمثل فرقا مهما في منشأة نووية متخصصة، حيث ترتفع تكلفة التشغيل بصورة كبيرة.
وأوضحت ديلمو أن توفير الوقت داخل المنشأة المتخصصة التي يُنتج فيها كاليفورنيوم-252 يعني توفير مبالغ كبيرة من المال، نظرًا إلى ارتفاع تكلفة تشغيل المعدات والمنشآت المستخدمة في هذه العملية.
وبالنسبة إلى مختبر أوك ريدج، لا يتعلق التطوير الجديد بزيادة سرعة الإنتاج فقط، بل بتحسين واحدة من أكثر مراحل تصنيع هذا النظير تعقيدًا وتكلفة.
لماذا يزداد الاهتمام به الآن؟
يأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه الاهتمام بكاليفورنيوم-252، بالتزامن مع توجه الولايات المتحدة إلى توسيع قدراتها في مجال الطاقة النووية وتطوير مفاعلات جديدة، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة.
ويُنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها أحد الخيارات لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصا مع النمو السريع لمراكز البيانات التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفقا لموقع “iflscience.”. وفي ظل محدودية إنتاج كاليفورنيوم-252 وارتفاع تكلفة تصنيعه، فإن تقليص الوقت اللازم لاستخراجه وفصله قد يمثل خطوة مهمة للمختبر الذي يُعد أحد أبرز مصادر هذا النظير عالميًا.
وبذلك، لا تكمن أهمية التطور الجديد في إنتاج كمية أكبر من مادة نادرة فحسب، بل في جعل واحدة من أكثر عمليات إنتاج العناصر الثقيلة تعقيدًا أسرع وأقل تكلفة، في وقت يتزايد فيه الاهتمام بالتقنيات النووية وتطبيقاتها.