تقارير وحوارات

محمد علي لقمان المحامي «رجل التاريخ” ونصير المظلومين في العاصمة عدن

كريتر نيوز/ تقرير /خالد عبدالوهاب

لم تحظ أي مدينة من مدن العالم من الأسماء والأوصاف على مر التاريخ قديمة وحديثة، كما حظيت بها مدينة عدن فهي : (بلاد العربية السعيدة، المخزن الروماني، مرفأ مراكب الهند والصين، مغاص اللؤلؤ، أقدم أسواق العرب، دهليز الصين، فرضة البحر الأحمر، خزانة المغرب، حبس الفراعنة، مقام الجن، بلد التجارة، دار السعادة، ساحل البحر، الثغر البديع، عروس البحار، درة البلدان، حلقة الوصل بين الشرق والغرب، السوق الكبير للجزيرة العربية، جبل طارق الشرق، القطب المغناطيسي وغيره من الألقاب).
كما لم تحظ أي شخصية سياسية أو فكرية أو أدبية عربية من الأوصاف والألقاب، كما حظيت بها الشخصية الجنوبية، ابن عدن البار، المجاهد الكبير محمد علي لقمان المحامي، المولود في عدن بتاريخ 6 نوفمبر1898م، ومن تلك الأوصاف والألقاب الذي حظي بها لقمان : (رائد التنوير، زعيم التجديد، قائد التحديث، نصير المظلومين، شيخ عدن، المجاهد الكبير، حادي الركب، الداعي المخلص، الطود الأشم، ابو الأحرار، دليل القافلة، أبو الدستور، مصباح الشعب، صوت البلاد، النبراس، السيف البتار، أمير الصحفيين، شيخ الحقوقيين، المشعل المتوهج، رجل البيان، سفير الحقيقة، وغيرها من الألقاب).
والحقيقة أن الرجل قد نال تلك الأوصاف والألقاب عن استحقاق وجدارة وشرف لما عُرف عنه من تاريخ وطني حافل وسيرة محمودة، ومعين لا ينضب من العطاء والإبداع والتضحية على مدى نصف قرن من الزمان في مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية، لم ترتق إليها أي شخصية جنوبية أخرى حتى وقتنا الحاضر.
فلقد كان لقمان الفيلسوف والمفكر الاجتماعي هو الرائد الأول في كل ما شهدته مدينة (عدن) من نهضة سياسية وفكرية وأدبية منذ العشرينيات من القرن المنصرم حتى وقتنا الحاضر، حتى أنه يخال للمرء بأن لقمان بمثابة عدة شخصيات تجمعت في رجل واحد، فهو الرجل الذي تنوعت عطاءآته من الكلمة وحتى الفعل فهو حادي الركب وفارس الكلمة الذي لا يُشق له غبار، أنه صنو مدينة (عدن) التي بادلها الوفاء وبادلته الريادة، فانتصر لها ولابنائها البسطاء والطيبين، لنسائها قبل رجالها لشيوخها قبل شبابها، ولفقرائها قبل اغنيائها، ولجهلائها قبل متعلميها، ولم تكن الثقافة بالنسبة للقمان مجرد ترف فكري أو نزق سفسطائي، ولكن كان رسالة للتنوير والتثوير نحو الدروب المغلقة وكان له الشرف الكبير أن يكون أول طارقيها.
لقد كان لقمان يعجن الكلمة من ماء قلبه ويملحها من صفيد عرقه ويصب عليها من عقارات فكره وتوابل مشاعره فتخرج صافية نقية من مصفاة روحه، ولقد حمل لقمان الصخرة على كاهله كما لو أنه (المسيح) ينوء بإرزاء قومه ليأخذهم من الوهاد السحيقة نحو الذرى السامقة بلا يأس أو تعب، إنه ال (برمثيوس) العدني الذي سرق النار المقدسة من الآلهة، النار النور، نارا تحرق الظالمين ونور تضيئ دروب المظلومين الباحثين عن الحقيقة الضائعة وسط ركام من الوهم والخديعة، حيث لقد كان السبَّاق الأول دوماً نحو اكتشاف دروب جديدة لم يسبقها إليه أحد.

فهو المؤسس الأول للأندية الثقافية والاجتماعية عندما كانت مدينة عدن تغرق وسط بحور من الجهل والرذيلة، فانشأ (نادي الأدب العربي) عام 1924م ومخيم ( ابو الطيب المتنبي ) عام 1939م و(نادي الإصلاح العربي الإسلامي) عام 1929م والتي كانت بمثابة منابر لنشر العلم والمعرفة في وقت انعدمت فيه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة فكانت قبلة الأدباء والمثقفين لمدينة عدن والمناطق المجاورة يتناقشون ويتجادلون في أمور الفكر والسياسة والأدب نذكر منهم، محمد عبده غانم ولطفي جعفر أمان وعلي محمد لقمان وآل الأصنج محمد سعيد جرادة وحامد خليفة وعبدالرحمن جرجرة، وفدعق والزبيري والنعمان والحكيمي والأديب الحضرمي الكبير علي أحمد باكثير أحد أهم رواد الشعر العربي الحديث، وعندما هاجر لقمان إلى الصومال لم يستطع باكثير البقاء وحيداً في عدن دون لقمان فلحق به إلى (هرجيسة) لأن لقمان هو عدن وعدن هي لقمان.
وهو الرائد والمؤسس لأول صحيفة أهلية على مستوى الجزيرة العربية (فتاة الجزيرة) عام 1940م وأول صحيفة أهلية ناطقة باللغة الإنجليزية (ايدن كرونكل) عام 1953م، وقد كانت مطابع فتاة الجزيرة بعدن هي الواحة الوارفة أمام الأدباء والمبدعين في عدن والمناطق المجاورة لإصدار كتبهم ودواوينهم الشعرية وصحفهم الأهلية، كما كان لقمان هو السبَّاق للمطالبة بنشر التعليم العام، والجامعي وفتح المعاهد والكليات أمام أبناء وبنات عدن، وناضل من أجل هذه القضية نضالاً لا هوادة فيه لأنه دائماً ما كان يردد بأن التعليم هو السبيل الوحيد للنهوض بعدن والمحميات للِّحاق بالأمم الحديثة والفتية وبدون التعليم لن نستطيع اللحاق بالركب الحضاري العالمي. ولذلك فقد كان لقمان أول من قام بابتعاث عدد من أبناء عدن للدراسة بالخارج في العراق وسوريا ومصر والهند مستغلاً علاقاته الشخصية مع عدد من الملوك والأمراء والزعماء العرب، منهم الملك فاروق ملك مصر والملك فيصل ملك العراق الأمير التونسي عبدالعزيز الثعالبي والأمير السوري شكيب أرسلان والرئيس جمال عبدالناصر والمهاتما غاندي وغيرهم.
ومن أجل الدفاع عن حقوق أبناء عدن ومساواتهم في الحصول على الوظائف والترقيات والرواتب المجزية أسوة بالإنجليز وأبناء الجاليات الأخرى الوافدة فقد أسس لقمان ( الجمعية العدنية ) عام 1949م كأول نواة لحزب سياسي في عدن والمحميات وكتب في 23 مارس 1947م يقول : (نقول للعدني هذا وطنك فيبتسم ساخراً متهكماً ، وطني وماذا أجد فيه من خير، هل مُنحتُ قسطاً في حكمه، هل أعطيت مقاماً محموداً في ربوعه، ألست أنا العدني الفقير منذ أكثر من قرن ؟ إلى أين أرتقى أبنائي، هل صاروا أكثر من كرانيات في وظائف لا تسمن ولا تغني من جوع ؟ هل بلغت شيئاً من الثراء؟ هل نلت شيئاً من الوجاهة ؟) كما قال في مكان آخر مخاطباً القادة والملوك العرب، كما لو أنه يريد ان يطرح القضية على الجامعة العربية ( اسألوا عن أحوال عدن والمحميات وحاولوا الاتصال بهم ومساعدتهم ثقافياً واجتماعياً لحل مشاكلهم والبحث عن أسباب فقرهم وذلهم وتأخرهم في مجراة الأمم الحديثة الفتية، شعبنا يسير حافي القدمين بأسمال باليه، ينام على قارعة الطريق، يتكفف أيدي المحسنين) ويحمِّل محمد علي لقمان المحامي الاستعمار البريطاني المسؤولية السياسية والاخلاقية الكاملة لما آلت إليه الأوضاع في عدن والمحميات بعد مرور 110 من السنوات من احتلالهم لعدن، فيقول في إحدى افتتاحيات فتاة الجزيرة بتاريخ 27 يوليو 1947م ( أدركنا أننا مستعمرون وأننا لذلك في الدرك الأسفل بين الشعوب الحرة الفتية، أننا نرى الوظائف المهمة في الدوائر السياسية والرئاسات كلها بأيدي أجانب لا ننظر إليهم إلا نظر التيوس إلى شفى الجزار، عدن بلاد المتناقضات، بلاد الأجنبي فيها عزيز والمواطن فيها ذليل) ولكن لقمان الفيلسوف الثائر إذ يندب حظ العدني العاثر وما وصل إليه من ذل وضنك فإنه يدرك تماماً قدرة الشعب الجنوبي في استعادة كامل حقوقه من الغازي المغتصب فيشحن أبناء قومه بجرعة قوية من العزيمة والأمل ( نحن أبناء جنوب الجزيرة العربية نحب الحرية حتى وإن عشنا معها في أكواخ الفقر وتحت وهج الشمس وفي مهب الرياح، ولن نرضى أن نستبدل استعمار مهما صوره لنا أذناب الاستعمار والمنافقون الأغبياء) من كان يستطيع أن يقول ذلك لبريطانيا سوى رجل واحد فقط بقامة محمد علي لقمان المحامي ويكفيه فخراً أنه وفي عام 1931م عندما كان الزعيم الهندي العظيم (المهاتما غاندي) قد وصل إلى عدن في طريقه إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة كان قد سال : ( أين صديقي لقمان، احضروا لي صديقي لقمان ) فجاءه لقمان على الفور يتحدث إلى غاندي ويتصافحان ويتناقشان في قضايا عدة.

وقد لا يعلم الكثيرون بأن المجاهد محمد علي لقمان المحامي هو أول جنوبي يلقي خطابه التاريخي أمام (لجنة تصفية الاستعمار) في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بتاريخ 18 سبتمبر 1962م عندما انصت له العالم وهو يشرح قضية الجنوب على مدى أربع ساعات كاملة وباللغة الإنجليزية مندداً بالاستعمار البريطاني وألاعيبه، مطالباً بتصفية قواعده وإعلان الاستقلال التام، وتطبيق قرارات حقوق الإنسان ليس فقط على مستوى عدن والمحميات ولكن على المستوى العالمي.

بعد ذلك عقد لقمان مؤتمراً صحفياً في بريطانيا أكد فيه على ما قاله في الأمم المتحدة، وقد قالت عنه الصحف الأمريكية والبريطانية حينها ( إن لقمان رجل ندر مثله في البلاد العربية ).
وفي 24 مارس من العام 1966م توقف القلب الكبير عن الخفقان، في الأراضي المقدسة بجوار الحرمين الشريفين فأيُّ مشعلٍ للفكر قد انطفأ وأي قلبٍ قد توقف عن الخفقان.
رحم الله لقمان وأسكنه في فسيح جنانه مع الأنبياء والشهداء والصدِّيقين.

زر الذهاب إلى الأعلى