تحت صيف حار .. حناجر تموت عطشا.

كريترنيوز/ تقرير
مبللة بدموعها مختنقة الأنفاس. هكذا سقطت الحجة “فاطمة” مغميا عليها وسط عائلتها العاجزة على توفير قارورة ماء باردة في نهاية يوم شديد الحرارة، بسبب غياب الثلج أو توفره بقلة في السوق السوداء وفقر الأسرة الشديد والوضع الاقتصادي الذي تمر به البلاد.
تعد “فاطمة” إحدى ضحايا الأمراض المزمنة الذين تدهورت صحتهم بسبب غياب الثلج المتزامن مع صيف هذا العام القاسي، منذُ التاسع من ذي الحجة. فلماذا انعدم الثلج على مديريات ردفان؟ ولماذا عجزت الناس على توفير الماء البارد؟
مصنع ثلج ردفان وأسباب العجز :
في نيسان/ابرايل من العام الحالي. تأسس مصنع الثلج في ردفان ، يصادف التاريخ فصل الشتاء ، حيث تتوفر الكهرباء للمصنع فينتج المصنع كميات ثلج كبيرة ، كذلك تقل طلبات السكان على الثلج، لكون الكهرباء تتوفر في كل بيت. تعامل المصنع مع موزعي الثلج والعملاء داخل مناطق ردفان، ولم يكن هناك أي تعامل مع مصانع الثلج في لحج وعدن باعتبار أنه لديهم مصنع مستقل.
ومع دخول فصل الصيف كان وصول التيار الكهربائي إلى ردفان ضعيفا جدا، كذلك زاد طلب الناس للثلج بشكل كبير حتى عجز المنصع على توفير كميات ثلج تغطي حاجة السكان.
وفي التاسع من ذي الحجة توقف إنتاج المصنع للثلج بسبب خلل في المولد الخاص للمصنع.
مصانع الثلج خارج ردفان منعت الثلج على عملاء ردفان بسبب انسحابهم السابق لمصنعهم الخاص، في وقت لم تتدخل الحكومة والجهات الأمنية بأي حلول تحد من هذه المعاناة.
مدير مصنع الثلج في ردفان الأستاذ “صدام العطري” يؤكد بأن أزمة انتاج الثلج تعود إلى قلة إنتاج المصنع بالتزامن مع الطلب المتزايد من قبل المواطنين خصوصًا أيام عيد الأضحى بسبب حاجتهم لحفظ اللحوم. وإن اشتداد درجة الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي تسبب في عجز المصنع، وقد ظهر هذا العجز جليا في بقية المصانع في لحج وعدن.
ويضيف العطري “إنتاجنا متواضع، ونقوم بتغطية مديريات ردفان الأربع عبر وكلاء ثابتين بالكميات المتاحة وبأسعار ثابتة ومناسبة للمواطنين، رغم ارتفاع الصرف مؤخرًا، ولسنا مسؤولون على من يقوم بالاحتكار أو رفع السعر وبيع الثلج سوق سوداء. نحنُ نحاول تغطية احتياجات المواطنين قدر المستطاع بما يناسب وضعهم الاقتصادي، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد”.
يقول الأستاذ محمد عبد الرحيم : ” في فصل الشتاء، كنت أجلب الثلج لأسرتي كل يوم، وبأسعار رخيصة، كنت سعيدا جدا لأن مصنع الثلج قريب منا، لكن مالبث الحال حتى دخل فصل الصيف وارتفعت درجة الحرارة وانقطع التيار الكهربائي حتى توقف عمل المصنع وقلت إمكانياته، ولم نحصل على الثلج في أيام العيد والحر القاسي”.
مديريات ردفان الأربع والكثافة السكانية :
تتكون ردفان بشكل عام من أربع مديريات ويبلغ عدد سكانها حوالي212,289نسمة تتوزع بالشكل التالي : “الحبيلين” ويبلغ عدد سكانها 65270 نسمة، مديرية “حبيل جبر” ويبلغ عدد سكانها 62900 نسمة، مديرية “حبيل الريدة” وعدد سكانها 42026 نسمة، مديرية “الملاح” ويبلغ عدد سكانها42093 نسمة، وهذه الإحصائيات تقريبية حيث أخذت أعداد السكان بالتزايد يوما بعد يوم.
وتعد مناطق مديرية ردفان مناطق جبلية بعيدة، ومتناثرة على سفوح الجبال، فقيرة الدخل المادي، تفتقر إلى أبسط الخدمات، يعتمد سكانها على تربية الماشية بشكل أساسي.
ويتسبب حرمان هذه المناطق من الثلج في ظل صيف حار بقتل أساسيات الإنسان التي تعد حقا من حقوقه.
الشيخ “محسن القطيبي”شيخ قبيلة آل قطيب ردفان يقول : “إن الكهرباء هي السبب الرئيس في انعدام الثلج على مديريات ردفان، لأن انقطاع الكهرباء تسببت في عجز مصنع الثلج في ردفان، وكذلك المصانع الأخرى خارج المديرية، وعلى السلطات المحلية التنسيق مع الجهات الخاصة بتوريد الثلج إلى ردفان، وكذلك على الحكومة توفير الكهرباء للمواطن في ظل هذا الحر الشديد”.
الثلج حياة أخرى لأمي :
بصوت حزين وعبرة متقطعة “أمي لا تقدر تعيش من دون ثلج فهي تعاني من مرض الضغط والسكر والقلب، نحن مستعدون على تقديم الغالي والنفيس لتوفر لها كساري ثلج” هكذا يقول الابن الأصغر “علي” البالغ من العمر 21 عاما متحسرا على أمه “فاطمة” عندما رآها تفطر صيام عرفة بماء حار ثم ترده عاجزة عن بلعه فتسقط منهكة.
ويضيف المشكلة أن الثلج مقطوع بشكل نهائي في المديريات المتقاربة، بيتنا في عالي جبل وبعيد عن السوق، نحن أسرة فقيرة لا نمتلك المال لشراء دباب الماء الكوثر وحتى لو اشترينا دبة ماء كوثر ما نوصل البيت إلا وقد ذابت وما تمر دقائق إلا وقد تحولت إلى ماء حار.
معاناة قاسية أوضاع متردية، انقطاع التيار الكهربائي، انهيار العملة وارتفاع الأسعار، البطالة والجوع والمرض، وتكتمل المعاناة بانعدام الثلج وشرب ماء ساخن ما يرويهم إلا أن يزيدهم عطشا.
ولا كأنه عيد أضحى :
أفراح علي،
42 عاما
واحدة من عشرات الأسر اللاتي تُلفت لحمة العيد عليهم وقاموا برميها للكلاب تقول أفراح : ” ولا كأنه عيد أضحى بصراحة لم نحس بالفرحة فأول العيد ذبحنا الضحية وذهب زوجي إلى السوق ليجلب الثلج لنحتفظ بباقي اللحم ولكن للأسف رجع البيت دون ثلج ذلك اليوم كان حار جدا الكهرباء اشتغلت ساعة فقط لا أعلم أين احتفظ باللحم، اشترينا خمس دباب ثلج وحفظت اللحم إلى المغرب، لم نتمكن من شراء دباب أخرى.
تواصل حديثها في صباح اليوم الثاني فتحت الترمسة إلا ورائحة العفن ولون اللحم مصفر تبين لنا أن اللحم قد تلوث ، ولم يعد صالحا للأكل، رمينا اللحم بالكامل للكلاب وحسبنا الله ونعم الوكيل”.
يأس حزين يكسر فرحة العيد المعتادة، ووجوه مسلوبة البسمة تتأوه الخسارة، أياد عاجزة وألسن تلعن الحكومة والحياة معا.
الماء الحار يزيدني عطشا أنا أصبر عطشي بالقهوة.
في ثالث أيام عيد الأضحى، وتحت شجرة المريمرة تسترخي بظهرها المتقوس وسط نهار حار، تشهف شعرها الأبيض ريح شديدة الكهر وهي تشرب كأس قهوة يتصاعد منه الدخان، وبعيون ممتلئة بالدمعِ تنظر إلي الحجة عليا وتقول : ” مت ظمأ يا بنتي، اروي نفسي بالقهوة الماء حامي لا تتقبله معدتي يزيد بطني حرقة، إيش سوينا عليهم حرقنا يا بنتي حرقنا، فوق الوجع وجع. تقطع حديثنا طفلة صغيرة تجري مسرعة ياجدة “اشتغلت الكهرباء ” سرعان ما ترد الجدة اعملوا لي دبة ماء في الثلاجة يامنعاه”.
ومالبثت ثوان إلا والطفلة تصيح “طفيت الكهرباء يا جدة”.
قهر المواطنين بتقطع التيار الكهربائي وتدمير بعض الأجهزة الإلكترونية زاد الوضع سوءاً ، فما تلبث فرحة المواطن باستغلال الكهرباء حتى تنتهي .
أول العيد لم أذُق لحمة ضحيتي طيلة حياتي :
تقول صباح 50 عاما : ” كنت يوم العيد في بيت بنتي المريضة، وثاني أيام العيد روحت إلى بيتي وأنا فرحانة أذوق من لحمة كبشي الذي ربيته سنة كاملة.وصلت إلى البيت والكل مقهور وحزين يصدموني بعبارة خربت اللحمة ورميناها.
انقهرت كثيرا لأول مرة لم أذق لحم ضحيتي يا قهري”.
في نفس السياق يتحدث الأستاذ عبد الحميد قائلاً : نحن أكلنا كل اللحم يوم العيد ثلاث مرات وجبة الصباح والغداء والعشاء ووزعناها على الجيران وانتهى الأمر”.
آخر معاناة بيع الثلج سوق سوداء :
توفر الثلج بقلة في مديريات ردفان خلق سوق سوداء تخدم أصحاب الدخل المادي، بينما انحرم الفقراء من خدمة الثلج، والبحث عن الماء البارد في البقالات والسوبر ماركتات التجارية التي بدورها تحرق الفقراء بسعر خيالي حيث وصلت قيمة دبة “الحدة” الصغيرة إلى 500ريال يمني.
يفسر الأستاذ والناشط محمد الوزير : “أن عدم توفر الثلج في مديريات ردفان أدى إلى استغلال الوضع لصالح بعض بائعي الثلج لخلق سوق سوداء لبيع الثلج الأمر الذي حرم الكثير من المواطنين الحصول على الثلج”.ويضيف “الناس تعتمد اعتمادًا كليًا على الثلج في الأسواق، تولع الكهرباء ساعتين في اليوم بينما تظل 20 ساعة منقطعة. نحنُ نطالب السلطات المحلية بالتنسيق مع مصانع الثلج الأخرى بزيادة توريد الثلج لتغطي احتياجات مديريات ردفان الأربع، ونطالب الحكومة بإعادة تشغيل الكهرباء، المعاناة أصبحت لا تُطاق، يكفينا المعاناة الأخرى ، فمن لايرحم لا يُرحم”.
مستشار محافظ محافظة لحج الدكتور “أمين العلياني” يرى أن معاناة انقطاع الثلج على مديريات ردفان يعود إلى تخاذل الحكومة وعدم إمداد المواطنين بالكهرباء في منازلهم؛ هذا ما جعل المواطن يبحث عن سبل بديلة تمكنه من العيش، ومنها البحث عن الثلج في الأسواق التجارية والأسواق السوداء والاعتماد الكامل عليها.
ويؤكد العلياني أن وجود مصنع ثلج في ردفان لا يكفي في ظل عدم توفر الكهرباء بشكل منتظم في منازل المواطنين، وحتى أن المصانع الموجودة في لحج وعدن لا تكفي بتوفير الثلج للمواطنين في ردفان نتيجة الطلب الهائل الموجود في المدن.
ويواصل العلياني حديثه ” أن عدم توفر المصانع الكافية نتيجة الوضع العام للبلاد وعدم اهتمام الدولة بالتطور والإنتاج هو سبب كاف لمعاناة المواطنين في ردفان والمناطق الأخرى”.
قطع أبسط الخدمات المتصلة بحياة المواطن من ماء وكهرباء وضروريات مهمة؛ جعلت المواطنين يعيشون حياة قاسية، ويتعرضون للمرض والوفاة والانتحار، والانجرار خلف الأعمال المشبوهة وعمالة الأطفال وتجنيدهم.