الجنوب يرفع سقف التصعيد.. ساحات الحرية تُشعل الغضب الشعبي وتعلن: لا وصاية ولا تبعية

كريترنيوز /بوابة الجنوب / العاصمة عدن
لم تعد ساحات الجنوب مجرد أماكن للاحتشاد الجماهيري أو التعبير عن الغضب الشعبي، بل تحولت إلى منصات سياسية مفتوحة، يبعث من خلالها الشارع الجنوبي رسائل واضحة إلى الداخل والخارج، مفادها أن قضية الجنوب لم تعد قابلة للتجميد، وأن إرادة شعبه لن تكون ورقة للمساومات أو رهينة لتفاهمات تُعقد خلف الأبواب المغلقة.
وفي مشهد يعكس اتساع رقعة الغضب الشعبي وتصاعد منسوب الاحتقان السياسي، شهدت مدن ومحافظات جنوبية تحركات جماهيرية واسعة ضمن برنامج تصعيدي سلمي، حمل شعارات رافضة للوصاية والتبعية، ومؤكدة أن مستقبل الجنوب ينبغي أن يحدده أبناؤه، بعيداً عن أي محاولات لفرض حلول أو ترتيبات سياسية لا تنسجم مع تطلعاتهم.
ومن ساحات الحرية، ارتفعت أصوات الجماهير بشعارات تؤكد أن الجنوب لن يقبل بأن يُدار بمنطق الوصاية، ولن يسمح بأن تتحول قضيته إلى ملف قابل للتدوير بين الأطراف السياسية والإقليمية. فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجنوبيين، لم تعد المعركة مقتصرة على المطالبة بالحقوق السياسية، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بحق الشعب في امتلاك قراره وتحديد مستقبله.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل مرحلة سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، فيما يشعر الشارع الجنوبي بأن العديد من التفاهمات والمبادرات تُطرح دون أن يكون له حضور حقيقي في تحديد مسارها أو نتائجها. ومن هنا جاء التصعيد الشعبي بوصفه محاولة لإعادة القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد، والتأكيد على أن أي مسار سياسي يتجاهل تطلعات شعب الجنوب لن يكون قادراً على إنتاج حل مستدام.
وبين الأعلام الجنوبية وصور القيادة السياسية، بدت الساحات وكأنها تعيد رسم المشهد السياسي من الشارع، حيث تحولت الجماهير إلى طرف فاعل في معادلة القرار، لا مجرد متلقٍ لما تنتجه غرف التفاوض. فالرسالة التي حملتها المسيرات لا تتعلق بحدث عابر، بل تعكس حالة تراكمية من الغضب تجاه ما يصفه المحتجون بسياسات التهميش، وتجاه محاولات إعادة إنتاج واقع سياسي لا يعالج جوهر القضية الجنوبية.
ويؤكد المشاركون في هذه التحركات أن سنوات طويلة من التضحيات والدماء لا يمكن اختزالها في تسويات مؤقتة أو حلول مجتزأة، مشددين على أن القضية الجنوبية، بالنسبة لهم، قضية شعب وحق سياسي وتاريخ طويل من النضال. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يضع تطلعات الجنوبيين في صدارة أولوياته سيظل، من وجهة نظرهم، عاجزاً عن ملامسة جذور الأزمة.
وفي المقابل، فإن اتساع رقعة التحركات الشعبية يضع مختلف الأطراف أمام اختبار حقيقي. فالتعامل مع الشارع الجنوبي بمنطق التجاهل أو محاولة الالتفاف على مطالبه قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، بينما يتطلب الواقع البحث عن مسار سياسي يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن القضية الجنوبية أصبحت واحدة من أبرز القضايا المركزية في المشهد اليمني والإقليمي.
لقد انتقل التصعيد الجنوبي من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم، مع تزايد الدعوات إلى توحيد الصفوف وتوسيع المشاركة الشعبية، الأمر الذي يجعل من الساحات الجنوبية مؤشراً مهماً على اتجاهات المرحلة المقبلة. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يريده الشارع وما يُطرح في الغرف السياسية، زادت احتمالات اتساع دائرة الاحتجاج والتصعيد السلمي.
ومن الضالع إلى عدن، ومن أبين وشبوة إلى حضرموت والمهرة وسقطرى، تتشكل صورة جنوبية جديدة عنوانها الأبرز أن الشارع يريد أن يكون حاضراً في صناعة القرار. وبينما تتجه الأطراف السياسية إلى حساباتها الخاصة، يصر الجنوبيون على أن قضيتهم لا يمكن أن تكون مجرد تفصيل في أي تسوية شاملة، ولا بنداً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.
إن ما يحدث في ساحات الجنوب يمثل، في جوهره، رسالة سياسية تتجاوز حدود المسيرات والهتافات. إنها رسالة تقول إن أي مستقبل سياسي لليمن لا يمكن أن يُبنى على تجاهل القضية الجنوبية، وإن أي تفاهمات لا تراعي إرادة شعب الجنوب ستظل عرضة للرفض الشعبي والسياسي.
ومع استمرار التصعيد السلمي، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تحمل مزيداً من التحركات والفعاليات الجماهيرية، في ظل إصرار الشارع الجنوبي على إيصال صوته إلى مختلف الأطراف. فالمعادلة التي تتبلور اليوم واضحة: لا حلول مستدامة من دون الاعتراف بحقوق الجنوبيين، ولا استقرار حقيقياً من دون معالجة جذور القضية، ولا مستقبل سياسياً قابلاً للحياة إذا ظل شعب الجنوب خارج دائرة القرار.
وهكذا، لم تعد ساحات الجنوب مجرد ميادين للاحتجاج، بل أصبحت عنواناً لمرحلة سياسية جديدة، عنوانها أن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة من أجل حقوقها لا تقبل أن تُدار قضاياها بالوصاية، ولا أن تُختزل تطلعاتها في وعود مؤجلة أو تفاهمات لا تعبر عن إرادتها.
فالجنوب، كما تؤكد رسائل ساحاته، يريد أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبله، وأن تتحول إرادة شعبه إلى أساس لأي مسار سياسي قادم. وبينما تتسارع التحركات السياسية، يبقى الشارع الجنوبي حاضراً، يرفع صوته، ويؤكد أن قضيته لن تُدفن في أدراج التفاهمات، وأن طريق التصعيد السلمي سيظل مفتوحاً حتى الوصول إلى حل يضمن للشعب حقه في تقرير مصيره وصياغة مستقبله السياسي.
#التصعيد_الشعبي_الجنوبي