دولية

بعد عملية كاراكاس والتهديد بالسيطرة على غرينلاند.. هل أصبح القانون الدولي في مهب القوة الغاشمة؟

كريترنيوز /متابعات /أمجد عرار

باتت المنظومة القانونية الدولية -التي صمدت منذ الحرب العالمية الثانية- مهددة جدياً، بفعل التدخلات العسكرية الأمريكية أو التهديد بها لحسم ملفات دولية، وفقاً لآراء خبراء عدة. فمع مطلع عام 2026، دخل النظام الدولي مرحلة هي الأشد خطورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث مثّلت رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية تحوّلاً جذرياً من «الانعزالية الحمائية»، في الولاية الأولى، إلى «الإمبريالية الصريحة» الآن. لم يعد سيد البيت الأبيض يكتفي بالانسحاب من المعاهدات الدولية، بل بات يعلن صراحة أن القوة هي المصدر الوحيد للشرعية، وأن ما يضبط مواقفه وقراراته هي أخلاقه الشخصية وليست القوانين الدولية، ما يعني نسف نتائج ثمانية عقود من الأعراف الدبلوماسية والقانونية.

 

ما يميز نهج ترامب الحالي، وفق مراقبين، هو التخلي التام عما كان يُعرف بـ«النفاق الدبلوماسي الضروري»، ففي حين كانت الإدارات السابقة تسعى لإيجاد مسوّغات أخلاقية للتدخلات العسكرية، مثل نشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان، أو أسلحة الدمار الشامل، تتبنى إدارة ترامب خطاباً مباشراً وصريحاً.

 

في هذا السياق، يشير الصحفي جون ستيوارت إلى أن التعامل مع الأزمة الفنزويلية كشف عن هذا التحول؛ حيث انتقل الخطاب من «تحرير الشعب الفنزويلي» إلى السيطرة على الثروة النفطية، ما يضفي على السياسة الخارجية الأمريكية طابع «الغنائمية».

 

وتمثّل تصريحات ترامب الأخيرة لصحيفة «نيويورك تايمز»، التي حصر فيها القيود على سلطته في «الوازع الأخلاقي والعقلي» الشخصي، سابقة قانونية وتاريخية خطِرة. ويرى خبراء القانون الدولي، من بينهم أساتذة من جامعة «هارفارد»، أن هذا المنطق يلغي مفهوم «الدولة المؤسساتية» ويستبدل بها «الدولة الفردية»، فإعلان الرئيس أنه «ليس بحاجة للقانون الدولي» هو تقويض مباشر لميثاق الأمم المتحدة وللشرعية التي استندت إليها الهيمنة الأمريكية طول القرن العشرين. هذا التوجه يحول الولايات المتحدة من «ضامن للنظام العالمي» إلى «أكبر مهدد لاستقراره».

 

وتعد الأطماع المعلنة تجاه غرينلاند نقطة تحول جوهرية في علاقة واشنطن بحلفائها، حيث يرى محللون في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» أن التهديد باستخدام القوة ضد مصالح دولة عضو في حلف الناتو (الدنمارك) بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على مبدأ الدفاع المشترك، ويعدّون أنه إذا تحول الحلف من مظلة أمنية إلى ساحة للمطامع الأمريكية، فإن ذلك سيدفع القوى الأوروبية، بقيادة فرنسا وألمانيا، إلى تسريع الانفصال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة والبحث عن تحالفات أمنية مستقلة، ما قد يؤدي إلى تفكك الكتلة الغربية كلياً.

 

في الداخل الأمريكي، تظهر محاولات خجولة من الكونغرس لاستعادة توازن القوى. ولعل التصويت الأخير في مجلس الشيوخ (52 مقابل 47) لوضع قيود على أي عمل عسكري في فنزويلا يعكس قلقاً عميقاً داخل المؤسسة التشريعية، ومنها بعض الأصوات الجمهورية.

 

ومع ذلك، يرى خبراء أن «فيتو» الرئيس والسيطرة على التعيينات القضائية في المحكمة العليا يمنحان ترامب هامش مناورة واسعاً لتجاوز هذه العقبات. ويظل الرهان معلقاً على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، التي قد تفرز كونغرس «مغايراً» قادراً على استخدام «سلطة المحفظة» لفرملة الطموحات العسكرية للرئيس.

 

عالم بلا قواعد

ويرى خبراء أن المجتمع الدولي بات أمام حقيقة مفادها أن النظام القائم على القواعد قد انتهى فعلياً، وأن هذا النهج قد يحقق مكاسب تكتيكية سريعة لترسيخ الهيمنة الأمريكية، لكنه على المدى الطويل يؤسس لعالم فوضوي، حيث تجد دول نفسها مضطرة للسعي لامتلاك القوة النووية أو بناء أحلاف عسكرية لحماية سيادتها، ما يجعل الصدام المباشر بين القوى العظمى مسألة وقت.

 

ويتفق كثير من الخبراء، ومنهم محللو «أتلانتيك كاونتسل»، على أن تصرفات ترامب في 2026 تدفع العالم نحو نظام الأقطاب المتصارعة، وقد تجلى ذلك في مظاهر عدة، أبرزها تفكك الأحلاف؛ حيث بدأت دول كانت تعتمد على المظلة الأمريكية (مثل اليابان وبعض دول أوروبا) في التساؤل عما إذا كان ترامب سيغدر بها كما فعل مع الدنمارك في أزمة غرينلاند، ما دفعها لفتح قنوات حوار مع بكين.

 

في الوقت ذاته عززت الصين وروسيا تنسيقهما الاستخباراتي والعسكري كـ«درع صد» ضد السياسات الأمريكية غير المتوقعة.

 

المفارقة الكبرى في 2026 هي أن القوى التي كانت تصفها أمريكا والغرب بـ«المارقة» مثل (روسيا والصين) هي التي تتحدث الآن بلسان القانون الدولي والمواثيق الأممية، في حين تخلّت واشنطن عن «القوة الناعمة» لمصلحة «القوة الغاشمة». هذا التحول -وإن كان لا يضعف أمريكا عسكرياً- فإنه يجردها من شعارات الشرعية الأخلاقية، ويحوّل الصراع الدولي من تنافس على «القيم» إلى صراع على «الموارد والسيادة».

زر الذهاب إلى الأعلى