دولية

الغرب في زمن الحرب.. مصانع السيارات لإنتاج السلاح

كريترنيوز/ متابعات /أمجد عرار

ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال عن محادثات عقدتها الإدارة الأمريكية مع شركات لتصنيع السيارات للقيام بدور في إنتاج الأسلحة، تعطي مؤشراً على أن أمريكا .

 

– كما دول غربية أخرى- تتجه نحو إعادة صياغة العلاقة بين صناعاتها المدنية والعسكرية، في مسار يتسم بما يمكن وصفه بـ «عسكرة الاقتصاد»، وفق ما تعكسه تقارير إعلامية أمريكية وتحليلات مراكز بحث متخصصة في الشأن الدفاعي.

 

بالنسبة لأمريكا، لا يمكن عزل هذا التوجه عن الضغوط المتراكمة التي تواجهها في إدارة مخزوناتها العسكرية وسلاسل الإمداد، في ظل تعدد الالتزامات العسكرية خلال السنوات الأخيرة، من الحرب في أوكرانيا إلى حرب الشرق الأوسط.

 

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في ⁠البنتاغون قوله إن وزارة الدفاع «ملتزمة بتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية بسرعة من خلال الاستفادة من جميع الحلول والتقنيات التجارية المتاحة لضمان حفاظ ⁠قواتنا المسلحة على تفوق حاسم».

 

ومنذ بدء حربي أوكرانيا وغزة، سحبت الولايات المتحدة من مخزوناتها أسلحة بمليارات الدولارات بما في ذلك أنظمة للمدفعية والذخائر والصواريخ المضادة للدبابات.

 

وطلب الرئيس دونالد ترامب هذا الشهر زيادة هائلة في الميزانية العسكرية قدرها 500 مليار دولار لتصل إلى 1.5 تريليون دولار، على وقع الحرب الأمريكية ضد إيران. وكان اجتمع مع مسؤولين تنفيذيين من سبع شركات دفاعية في مارس، في إطار الجهود لتوفير إمدادات تحل محل التي جرى استخدامها في الضربات الأمريكية على إيران، وفق ما نقلت وكالة «رويترز».

 

«وول ستريت جورنال» ذكرت أن كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية عقدوا محادثات حول إنتاج الأسلحة مع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات مثل جنرال ⁠موتورز وفورد موتور.

 

وأوضحت أن المحادثات التمهيدية واسعة النطاق، التي بدأت قبل حرب إيران، تأتي في وقت تسعى إدارة ترامب إلى تعزيز دور شركات صناعة السيارات وغيرها من الشركات الأمريكية في إنتاج السلاح. وكانت شركة جنرال ‌إلكتريك للفضاء وأوشكوش لصناعة المركبات والآلات من بين الشركات المشاركة في المحادثات مع مسؤولي الدفاع.

 

ووفقاً للصحيفة تساءل مسؤولون في وزارة الدفاع عما إذا كان بإمكان هذه الشركات التحول سريعاً إلى العمل في المجال الدفاعي.

 

ووفق تحليلات صادرة عن مراكز بحثية مثل «تشاتام هاوس» و«معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية»، فإن ما يجري لا يتعلق فقط بتأمين الإنتاج العسكري، بل بإعادة بناء آلية صناعية أكثر مرونة، قادرة على الاستجابة السريعة في بيئة تتسم بتغيرات أمنية متسارعة.

 

هذا التحول لا يظهر كقفزة مفاجئة بقدر ما يتشكل كطبقة جديدة فوق الاقتصاد الصناعي، حيث تتداخل اعتبارات السوق مع منطق الجاهزية الاستراتيجية، في بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتعدد بؤر الصراع.

 

وفي هذا الإطار، تتراجع الحدود التقليدية بين المدني والعسكري، لصالح نموذج أكثر سيولة، حيث لم تعد مفاهيم مثل «الكفاءة الصناعية» أو «سلاسل التوريد» تُفهم بمعزل عن الاعتبارات الأمنية، بل باتت جزءاً من خطاب أوسع حول «الجاهزية الاستراتيجية»، الذي يعيد تعريف وظيفة الصناعة داخل الدولة الحديثة.

 

الاستنزاف الاستراتيجي

وتتصاعد المخاوف داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية من دخول الولايات المتحدة في نفق «الاستنزاف الاستراتيجي» الطويل، وهو ما تجسد بوضوح في الشهادة الصريحة التي أدلى بها الجنرال هيث كولينز، مدير وكالة الدفاع الصاروخي بـ «البنتاغون»، أمام مجلس النواب الأمريكي أمس الأربعاء.

 

حيث أقر بأن القوات المسلحة ستحتاج إلى سنوات وليس شهوراً لاستعادة مخزونات الذخيرة التي التهمتها نيران الحرب مع إيران، مؤكداً وفق ما نقلته وكالة الأنباء «تاس» أن المصانع العسكرية تعمل بطاقتها القصوى يومياً لتعويض النقص، إلا أن حجم الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج بلغ مستويات لا يمكن معها تحديد سقف زمني لترميمها حالياً.

 

وسجلت الحرب معدلات استهلاك صاروخي غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الإقليمية، حيث أطلقت القوات الأمريكية في غضون ثلاثين يوماً فقط ما يصل إلى 850 صاروخاً من نوع «توماهوك» التي تتجاوز كلفتها ملياراً وسبعمئة مليون دولار، فضلاً عن أن تعويضها يتطلب دورة تصنيعية معقدة تمتد لسنوات نظراً للحاجة إلى رقائق إلكترونية ومواد دفع صاروخي تعاني سلاسل توريدها من اختناقات مزمنة.

 

ووفقاً للمصادر ذاتها، اضطرت الدفاعات الجوية الأمريكية لإطلاق أكثر من ألفي صاروخ اعتراضي خلال الأسابيع الأولى، تبلغ قيمة الواحد منها ملايين الدولارات.

 

هذا الاستنزاف الذي وصفه الجنرال كولينز بـ«سنوات الاستعادة» يضع المجمع الصناعي العسكري الأمريكي أمام اختبار حقيقي، إذ تبين أن القدرة الإنتاجية الحالية، رغم ضخامتها، لا تزال تعمل بعقلية زمن السلم ولا تستطيع مواكبة وتيرة «حرب الكثافة العالية» في زمن الحرب.

 

أوروبا أيضاً

كما أن هذا التحول هذا لا يقتصر على أمريكا، لكنه يشمل بعض دول أوروبا، لكن في مسار أكثر هدوءاً وتدرجاً. فبعد التحول الاستراتيجي الذي أعلنته ألمانيا في ما عُرف بسياسة «نقطة التحول»، بدأت دول الاتحاد الأوروبي في رفع إنفاقها الدفاعي وإعادة تنشيط قطاعات مرتبطة بالإنتاج العسكري، مع توسع متزايد في مفهوم «الاستخدام المزدوج» للتقنيات الصناعية، ما يعني دمج تقنيات مدنية متقدمة في سلاسل التوريد الدفاعية، بل عبر شراكات وعقود إنتاج.

 

وتُعد مرسيدس-بنز مثالاً على بيئة صناعية أوروبية تمتلك قاعدة تقنية وهندسية يمكن أن تتقاطع مع احتياجات القطاع العسكري، خصوصاً في مجالات الميكانيك والأنظمة المعقدة.

 

هذا التحول لا ينفصل عن بيئة جيوسياسية أوسع، حيث تمثل الحرب في أوكرانيا العامل الأكثر مباشرة في تسريع إعادة النظر في القدرات الصناعية الدفاعية الغربية، حيث أدى استنزاف المخزونات وتزايد الطلب العسكري إلى دفع الدول الغربية نحو إعادة تقييم قدرتها الإنتاجية الفعلية في حالات الصراع الممتد، ما أعاد طرح سؤال الجاهزية الصناعية كعنصر مركزي في الأمن القومي.

 

روسيا والصين

وفي هذا السياق، يبرز العامل الروسي بوصفه محفزاً مباشراً لهذا التحوّل، ليس فقط باعتباره ساحة صراع قائمة، بل باعتباره مصدر ضغط عملي على مخزونات الأسلحة وسلاسل الإمداد، ما جعل الاعتبارات العسكرية أكثر حضوراً في قرارات الصناعة والدولة على حد سواء.

 

كذلك يمثل العامل الصيني بعداً بنيوياً أعمق لهذا التحول. فوفق قراءات استراتيجية متزايدة، لم يعد التنافس مع الصين مقتصراً على التجارة أو التكنولوجيا، بل امتد إلى القدرة على الإنتاج الصناعي الواسع والسريع، وإلى مرونة الاقتصاد في التحول نحو الأولويات الأمنية عند الحاجة.

 

هذا التنافس يعيد تشكيل مفهوم القوة نفسه، بحيث يصبح العمق الصناعي والقدرة على تعبئة الاقتصاد جزءاً أساسياً من معادلة الردع، إلى جانب التفوق العسكري التقليدي.

 

وبين الضغط الروسي المباشر والتحدي الصيني طويل الأمد، يتبلور في الغرب هذا النمط الصناعي الجديد الذي يقوم على توسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي وربطها بشكل أعمق بالقطاع المدني، ما يعكس عملياً انتقالاً تدريجياً نحو عالم تُدار فيه الصناعة بمنطق مزدوج، اقتصادي من جهة، وأمني من جهة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى