بريطانيا تضرب ذراع طهران الأخطر

كريترنيوز/ متابعات
شكّل قرار الحكومة البريطانية إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن الكيانات المحظورة تطورًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا في التعامل الغربي مع النظام الإيراني، لأنه يستهدف أحد أخطر أذرعه الأمنية والعسكرية، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر صرامة في مواجهة شبكات الإرهاب والتجسس والتهديدات العابرة للحدود المرتبطة بطهران.
وبحسب ما أعلنته الحكومة البريطانية، فإن الحرس الثوري سيكون من بين أولى الجهات التي تُدرج بموجب الصلاحيات الجديدة الهادفة إلى التصدي للأنشطة المدعومة من دول أجنبية داخل بريطانيا. وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تسمح بأن تتحول أراضيها إلى ساحة للدول التي تسعى إلى نشر الخوف والانقسام والعنف في شوارعها، مشددًا على أن من يعمل لمصلحة جهات تهدد الأمن القومي سيواجه كامل قوة القانون.
أما وزيرة الداخلية شبانة محمود، فأوضحت أن جهاز الأمن الداخلي البريطاني رصد خلال عام واحد ما لا يقل عن 20 مؤامرة محتملة ومدعومة من إيران ضد أشخاص داخل بريطانيا. ووصفت الحرس الثوري بأنه يقع في مركز عمليات الدولة الإيرانية، وله سجل طويل في استخدام الوكلاء والشبكات الإجرامية لاستهداف أشخاص في الخارج، ولا سيما الجالية اليهودية والمعارضين الإيرانيين.
ولا يمكن النظر إلى هذا القرار كإجراء إداري محدود. فالحرس الثوري ليس مؤسسة عسكرية تقليدية، بل يمثل العمود الفقري لنظام ولاية الفقيه في الداخل والخارج. داخليًا، يشكل الأداة المركزية للقمع، من قمع الاحتجاجات إلى الاعتقالات والتعذيب والإعدامات وإسكات الأصوات المطالبة بالتغيير. وخارجيًا، يقود شبكات التدخل والميليشيات والعمليات السرية والحروب بالوكالة، مستخدمًا الاقتصاد والشركات الواجهة لتمويل مشاريعه الأمنية والعسكرية.
وقد رحبت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بالخطوة البريطانية، رغم تأخرها الكبير، واعتبرتها ضرورة للسلام والاستقرار والأمن في المنطقة والعالم. كما ثمّنت جهود أعضاء مجلسي العموم واللوردات، ولا سيما أعضاء اللجان البريطانية من أجل إيران حرة، في متابعة هذا الملف وكشف جرائم الحرس الثوري ضد الشعب الإيراني.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأنها جاءت بعد سنوات طويلة من حملات برلمانية وسياسية قادها نواب بريطانيون من مختلف الأحزاب. فقد أكدت اللجنة البريطانية من أجل إيران حرة أن أعضاءها في مجلسي البرلمان طالبوا منذ سنوات بحظر الحرس الثوري عبر النقاشات البرلمانية والمؤتمرات والبيانات العامة والأسئلة الموجهة إلى الوزراء والتواصل المستمر مع الحكومات المتعاقبة. وشددت على أن قرار اليوم يجب ألا يكون نهاية الجهد، بل بداية سياسة حازمة وشاملة تجاه النظام الإيراني.
وترى أوساط المعارضة الإيرانية أن إدراج الحرس الثوري لا يكون فعالًا إذا بقي محصورًا في البعد الرمزي أو القانوني الضيق، بل يجب أن يقترن بتفكيك شبكاته المالية والدبلوماسية والإعلامية والثقافية، وملاحقة الشركات الواجهة، وطرد العناصر التي تعمل لصالحه تحت عناوين مختلفة. فالحرس الثوري، وفق هذه القراءة، لا يمارس الإرهاب فقط عبر السلاح، بل عبر اقتصاد موازٍ وشبكات مالية ضخمة تموّل القمع الداخلي والتدخلات الإقليمية.
وقد كشفت ردود فعل طهران حجم الضربة. فقد وصفت وسائل إعلام تابعة للنظام القرار البريطاني بأنه إجراء عدائي واستفزازي، فيما دعا بعض المسؤولين في مجلس الشورى إلى استدعاء السفير البريطاني وربما طرده. كما أقرت وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية داخل إيران بأن القرار يجعل الانضمام إلى الحرس الثوري، أو المشاركة في اجتماعاته، أو إظهار رموزه علنًا، أو تقديم الدعم له، عرضة للملاحقة والعقوبات التي قد تصل إلى السجن لسنوات طويلة.
هذا الارتباك مفهوم، لأن الحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة داخل النظام، بل هو الضامن المسلح لبقائه. ولذلك فإن استهدافه قانونيًا وسياسيًا يعني ضرب أحد أعمدة السلطة. كما يوجه القرار رسالة إلى القوى التي تراهن على بقاء أجهزة القمع، أو تحاول تسويق نفسها عبر الاعتماد على عناصر من الحرس والأجهزة الأمنية، بأن مستقبل إيران لا يمكن أن يُبنى على إعادة تدوير أدوات القمع نفسها.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار الإيرانيين «لا شاه ولا ملا» معنى سياسيًا مباشرًا. فالمشكلة ليست في تبديل الوجوه أو إعادة إنتاج دكتاتورية قديمة أو جديدة، بل في تفكيك بنية القمع التي يشكل الحرس الثوري عمودها الرئيسي. ولهذا تؤكد قوى المعارضة الديمقراطية أن الشعب الإيراني يرفض الدكتاتورية بجميع أشكالها، ويطالب بجمهورية ديمقراطية تقوم على الاقتراع العام، واحترام حقوق الإنسان، وفصل الدين عن الدولة.
إن قرار بريطانيا، رغم تأخره، يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. لكنه لا يكتمل إلا بسياسة أوسع تعترف بأن الحرس الثوري ليس تهديدًا خارجيًا فحسب، بل أداة لقمع الشعب الإيراني في الداخل. ولذلك فإن أي سياسة جدية تجاه طهران يجب أن تجمع بين محاصرة الحرس سياسيًا وقانونيًا وماليًا، والوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة في سعيهما لإقامة جمهورية ديمقراطية حرة.
فالسلام والاستقرار في المنطقة لا يتحققان بمسايرة الحرس الثوري أو غضّ النظر عن شبكاته، بل بمحاصرته وتجفيف موارده، ودعم حق الشعب الإيراني في التخلص من ديكتاتورية الشاه والملالي على حد سواء.