هل اقترب صراع روسيا وأوكرانيا من منعطف كارثي؟

كريترنيوز/ متابعات /البيان
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة هي الأكثر تعقيداً منذ اندلاعها، بعدما انتقلت المواجهة تدريجياً من ساحات القتال التقليدية إلى استهداف العمق الاستراتيجي للطرفين.
وبعد أكثر من أربع سنوات من القتال، لم تعد العمليات العسكرية محصورة في جبهات الشرق والجنوب، بل امتدت إلى محيط موسكو وكييف، في تحول يعكس تغيراً نوعياً في طبيعة الحرب وأدواتها وأهدافها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت روسيا هجماتها الجوية والصاروخية على العاصمة الأوكرانية ومدن رئيسية أخرى، مستهدفة منشآت الطاقة والبنية التحتية ومرافق مرتبطة بالصناعات العسكرية والدفاعات الجوية..
بينما وسعت أوكرانيا استخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى لضرب منشآت نفطية وصناعية ومراكز لوجستية داخل الأراضي الروسية، بينها مواقع قريبة من العاصمة موسكو.
ويرى مراقبون أن هذا النمط من العمليات يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة «العمق المتبادل»، حيث يسعى كل طرف إلى استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية للآخر، وفرض ضغوط سياسية ونفسية تتجاوز حدود الجبهات التقليدية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سقف يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
ويرى خبراء العلاقات الدولية أن المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول استمرار الوضع القائم عبر مواصلة الضربات المتبادلة في العمق دون انزلاق إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو، بما يعني استمرار حرب الاستنزاف، مع تركيز موسكو على البنية التحتية الأوكرانية، مقابل استهداف كييف المنشآت اللوجستية والطاقة داخل روسيا.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في وقوع خطأ عسكري أو أمني غير محسوب، سواء عبر سقوط صاروخ أو مسيّرة داخل أراضي دولة عضو في الناتو، أو وقوع احتكاك مباشر في البحر الأسود، بما قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه دبلوماسياً.
ويقوم السيناريو الثالث على وصول الطرفين إلى مرحلة إنهاك عسكري واقتصادي متبادل، تدفعهما في النهاية إلى تفاهمات غير مباشرة تحد من استهداف العواصم والمنشآت الحيوية، وتمهد لمسار تفاوضي برعاية دولية.
وبين هذه السيناريوهات، تبدو الحرب أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية، إذ لم يعد الخطر مقتصراً على ميادين القتال، بل امتد إلى مراكز القرار السياسي والاقتصادي. مع مخاوف من تمدد الحرب إلى مواجهة مباشرة بين موسكو والناتو.
صراع عالمي
ويشير د. عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن ما تشهده الساحة الروسية الأوكرانية لا يمثل بداية حرب عالمية ثالثة، لأن العالم يعيش بالفعل حالة صراع عالمي متعددة الساحات، تتجلى في الحرب الروسية الأوكرانية، والتوتر الأمريكي الإيراني، وبؤر النزاعات في إفريقيا وغيرها.
ويؤكد أن التطورات الأخيرة تمثل أخطر مراحل هذا الصراع، بعدما انتقلت الضربات إلى عمق أراضي الطرفين، في ظل حسابات قد لا تكون دقيقة، وهو ما يزيد احتمالات ردود فعل متسلسلة يصعب احتواؤها.
ويضيف أن التصعيد الحالي يعكس استعداد موسكو وكييف لمواصلة المواجهة بدلاً من إنهائها قريباً، معتبراً أن الدعم الغربي المستمر يسهم في إطالة أمد الحرب.
ويحذر الديب من أن الخطر الحقيقي يكمن في اقتراب العمليات العسكرية من حدود دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» والمجال الجوي الأوروبي، لكنه يستبعد في الوقت الراهن تحول الصراع إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والحلف. ويرجح استمرار الضغوط العسكرية المتبادلة على العمق الاستراتيجي للطرفين خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب مؤشرات جدية على تسوية سياسية.
حرب استنزاف
بدوره، يرى الباحث في الشؤون الروسية والدولية، تيمور دويدار، أن التصعيد الحالي لا يمكن اعتباره بالضرورة شرارة لحرب عالمية ثالثة، لكنه يعكس صراعاً دولياً واسعاً يتجاوز حدود أوكرانيا، ويمثل امتداداً للتحولات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، وإعادة تشكيل النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة.
واعتبر دويدار أن المواجهة الدائرة هي في جوهرها حرب استنزاف بين روسيا والاتحاد الأوروبي بدعم وإدارة غربية، بينما تحولت أوكرانيا إلى ساحة لهذا الصراع الذي يستهدف إعادة رسم موازين القوى العالمية أكثر من كونه نزاعاً إقليمياً محدوداً.
واستبعد دويدار تحول الأزمة إلى حرب نووية، مؤكداً أن مبدأ الردع المتبادل يجعل جميع الأطراف تدرك أن استخدام الأسلحة الاستراتيجية سيقود إلى رد مماثل يهدد الجميع. وحذر من أن هذا التوازن قد ينهار إذا تدخلت قوات غربية بصورة مباشرة داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما قد يدفع الصراع إلى مستوى أكثر خطورة.
تعدد أدوات
وأشار دويدار إلى أن الحرب الحالية لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت تشمل أبعاداً اقتصادية ومالية وتكنولوجية وسيبرانية، فضلاً عن التنافس على الطاقة والموارد والممرات التجارية وسلاسل الإمداد والهيمنة التكنولوجية.
وخلص دويدار إلى أن العالم يعيش بالفعل شكلاً من الحرب العالمية متعددة الأدوات، حتى إن لم يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى الكبرى، لافتاً إلى أن آثارها باتت واضحة في التضخم، واضطراب التجارة العالمية، وأزمات الطاقة والأمن الغذائي.
وأكد دويدار أن استمرار هذا المسار دون جهود سياسية حقيقية لاحتواء التوترات قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها إعادة تشكيل النظام الدولي وفق موازين قوة جديدة.