سوريا انفراج خارجي واستعصاء داخلي

كريترنيوز /متابعات /عبدالله رجا
كان عام 2025 عام طي صفحة نظام بشار الأسد، والتأسيس لمرحلة انتقالية تؤسس لحكم جديد، وشهد هذا العام أحداثاً مفصلية على الصعيد الداخلي السوري، أبرزها رفع العقوبات، وإلغاء الكونغرس الأمريكي قانون قيصر، لكن الانفتاح الخارجي قابله توتر داخلي؛ التوتر مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والأحداث الدامية في الساحل السوري في مارس، وفي السويداء في يوليو، فضلاً عن ملف التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي، مع أحداث إدلب، وتفجيرات حلب.
دخلت سوريا عام 2025 وهي في مرحلة استثنائية، انتقلت فيها من لحظة انهيار النظام السابق إلى اختبار بناء سلطة جديدة قادرة على الاستمرار. لم يكن العام مخصصاً لإطلاق مشروع سياسي مكتمل، بقدر ما كان عاماً لتثبيت الوقائع، وضبط التوازنات، ومنع الانزلاق نحو فوضى مفتوحة أو صراعات داخلية مبكرة.
الساعة دقت لأن تحقق دمشق ما تطلبه لنفسها، وما يطلب منها ولها الأشقاء والأصدقاء سياسياً واقتصادياً وتشريعياً، على مدى الشهور الماضية، حققت القيادة السورية الجديدة اختراقات خارجية عديدة، سواء في علاقاتها ببيئتها العربية أو بعلاقاتها مع القوى الغربية، وموازنة ذلك بالعلاقة مع روسيا. لكنها تواجه داخلياً قوى ترفض الاندماج في مؤسسات الدولة الناشئة، وترفض تسليم سلاحها، والقبول بسيطرة الدولة على مناطقها.
فما اكتمل في الانفتاح على الخارج لا يزال ناقصاً في الانفتاح على الداخل، حيث قادت الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، هذه المرحلة بمنطق إدارة المخاطر والتأسيس لمكاسب مستقبلية، وجرى التركيز على الإمساك بمفاصل الدولة الأساسية.
اتفاق
شكل اتفاق 10 مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أبرز محطة سياسية في العام. الاتفاق حمل اعترافاً متبادلاً، وفتح نظرياً الباب أمام شراكة سياسية ـ أمنية، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع التنفيذ. لم تترجم البنود السياسية إلى خطوات عملية، وبقيت قضايا التمثيل، والإدارة المحلية، والضمانات الدستورية خارج مسار التطبيق.
هذا التعثر لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً، وعكس تردداً في إعادة توزيع السلطة على أسس جديدة. ويتزايد الحديث داخل الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية عن ضرورة الانتقال من المعالجات الظرفية والمؤقتة إلى حلول بنيوية طويلة الأمد في الملف السوري.
ففي ظل التداعيات المتعلقة بالحرب على تنظيم داعش، تزداد الضغوط في أمريكا (بخاصة من المعسكر المناهض لـ«الحروب الأبدية» وهم أنصار ترامب) على الانخراط العسكري في سوريا، الأمر الذي يدفع الجانب الأمريكي إلى تكثيف جهوده لـ«البديل»، وهو حتى الآن ينحصر في تمكين القوات الأمنية السورية وإدماج قوات «قسد» في وزارة الدفاع.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومحللون تحدثوا لوسائل إعلام أمريكية أن تحدي «داعش» في منطقة البادية وريف حمص الشرقي قد يشكل نقطة دفع لتسريع الجهود السياسية والعسكرية الرامية إلى تحقيق اندماج فعلي بين «قسد» والجيش السوري، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط المشهد الأمني على مستوى البلاد ككل.
ويُنظر إلى هذا الاندماج، من منظور أمريكي، على أنه خطوة مفصلية لمعالجة واحدة من أخطر الثغرات البنيوية التي طبعت الواقع السوري خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في تعدد القوى المسلحة، وتداخل مناطق النفوذ، وازدواجية القيادة والسيطرة. فقد أدت هذه البنية المجزأة إلى خلق «مساحات رمادية واسعة»، لا تخضع لسيطرة أمنية متماسكة، الأمر الذي أتاح لـ «داعش» استغلال الفجوات، والتحرك بين خطوط التماس.
عودة «داعش»
وخلال العام الماضي، بدا واضحاً أن التنظيم استفاد من هذا الواقع أكثر من أي مرحلة سابقة، ليس عبر السيطرة على أراضٍ واسعة كما في سنوات تمدده الأولى، بل من خلال اعتماد نمط حرب استنزاف مرن، قائم على الضربات المتنقلة والهجمات الخاطفة واستهداف النقاط الأضعف في منظومات الأمن المنقسمة.
وفي هذا الإطار، تعزز الأرقام التي نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال» هذه القراءة، إذ تشير إلى أن التنظيم نفذ 117 هجوماً في شمال شرقي سوريا حتى نهاية أغسطس، متجاوزاً 73 هجوماً فقط خلال عام 2024 بأكمله. ويعكس هذا التصاعد اللافت فشل المقاربات الجزئية التي ركزت على الاحتواء الموضعي، ويعيد إلى الواجهة مسألة توحيد القيادة والسيطرة الأمنية بوصفها شرطاً أساسياً لخفض وتيرة الهجمات واستعادة زمام المبادرة.
ولا ينفصل الرهان الأمريكي على الاندماج الأمني والعسكري عن إدراك أوسع لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. فمحاولات إعادة بناء الدولة ومؤسساتها تجري في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها تحديات إعادة الهيكلة، وضرورات المصالحة الداخلية، مع استمرار تهديدات أمنية عابرة للمناطق والانتماءات.
أحداث الساحل
انفجرت أحداث الساحل السوري في مارس الماضي حين تعرضت قوات الأمن إلى هجمات من فلول النظام، وأسفرت الهجمات عن مقتل عشرات العناصر، وهو ما دفع إلى حشود من المسلحين جاؤوا من مناطق سورية مختلفة للسيطرة على الانفلات الأمني، ورافق ذلك انتهاكات اعترفت بها الحكومة وشكلت لجنة تحقيق وطنية للنظر في المظالم التي تعرض لها الأبرياء.
في الأيام الأولى، اتسم الموقف الرسمي بالحذر الشديد، مع تجنب توصيف ما جرى، والتركيز بدلاً من ذلك على توصيفات عامة من نوع «انفلات أمني» أو «أعمال فردية خارجة عن القانون». هذا التردد في التوصيف عكس خشية واضحة من فتح باب سياسي يصعب التحكم بمآلاته، خصوصاً في منطقة يُنظر إليها باعتبارها حساسة تاريخياً وسياسياً. لكن سرعان ما أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وقدمت نتائجها في جلسات خاصة أدت إلى توقيف مئات العناصر الأمنية.
أحداث السويداء
في حالة الأحداث في السويداء، كان تعامل الحكومة أكثر تعقيداً، بسبب خصوصية العلاقة التاريخية بين الدولة والمجتمع المحلي في السويداء.
في البداية، غلب على الموقف الرسمي خطاب التهدئة، مع إرسال وفود سياسية وأمنية للتواصل مع مشايخ العقل ووجهاء المنطقة، وتأكيد الالتزام بحماية المدنيين، لكن الموقف انفجر في منتصف يوليو حين هاجم مسلحون عشائريون منطقة السويداء لفك الحصار عن البدو في السويداء، وهو ما أدى إلى أكبر حدث أمني في سوريا خلال العام 2025، فقد حدثت عمليات تصفية واسعة أدت إلى مقتل ما لا يقل عن ألفي مدني، كما تدخلت إسرائيل بشكل مباشر، وللمرة الأولى في تاريخها، في صراع داخلي سوري، وقصفت قوات الأمن السورية، ودمرت هيئة الأركان في دمشق.
ولم يبدأ التدخل الإسرائيلي من أحداث السويداء، بل في الساعات الأولى من سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وذلك عبر ضربات جوية، تحت مزاعم «التهديدات الأمنية». في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، حافظت تل أبيب على مستوى منخفض من الانخراط، مفضّلة المراقبة وتجنب التورط المباشر في مشهد سوري غير مستقر بعد. التحول الأول جاء مع اتساع الفراغ الأمني في الجنوب السوري. هنا، بدأت إسرائيل توسيع نطاق اعتداءاتها، ليس فقط من حيث عدد الضربات، بل من حيث طبيعة الرسائل السياسية المرافقة لها.
لم تعد الضربات محصورة بمنشآت أو أهداف محددة، بل تحولت إلى حضور ميداني مباشر في ريف القنيطرة. في مرحلة لاحقة، لم تعد الاعتداءات مقتصرة على الجو، خاصة بعد أحداث السويداء وضغوط القيادات الدرزية في إسرائيل على حكومة نتانياهو للتدخل في السويداء. بدأت إسرائيل بتوسيع وجودها عبر عمليات توغل محدودة، ونقاط مراقبة.
ارتبط اتساع التدخل الإسرائيلي بتقدير تل أبيب أن السلطة السورية الجديدة منشغلة بتثبيت الداخل، وغير قادرة على فتح جبهة مواجهة. واستُخدمت ورقة «حماية الأقليات» كجزء من الخطاب غير المباشر لتبرير التدخل، خصوصاً مع تصاعد التوتر في السويداء. لم يصل هذا الخطاب إلى إعلان رسمي، لكنه شكل خلفية سياسية لتحركات إسرائيلية هدفت إلى توسيع هامشها جنوباً، وربط الأمن المحلي بحساباتها الإقليمية.
هجوم تدمر
مع عودة «داعش» للظهور في مناطق البادية والفراغات الأمنية خلال العام 2025، مستفيداً من هشاشة الأمن، وتداخل خطوط السيطرة، لم تكن الهجمات واسعة النطاق، لكنها كانت كافية لإعادة الملف الأمني إلى صدارة الاهتمام الدولي، خاصة هجوم تدمر الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أمريكيين ودفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الأمر بشن هجمات واسعة طالت مقرات وتحركات للتنظيم في أنحاء سوريا.
وشكل هجوم تدمر محطة مفصلية، دفعت الولايات المتحدة وشركاءها إلى إعادة تقييم المقاربة الأمنية في سوريا.
في هذا السياق، يمثل الانتقال الأمريكي إلى مناطق وسط سوريا، وفي مقدمتها تدمر، تحولاً نوعياً في طبيعة الانخراط العسكري، لأنه ينقل عمل التحالف، فعلياً، من نموذج العمليات عبر الشركاء المحليين إلى نموذج تعاون مباشر مع مؤسسات الدولة السورية نفسها.
فهذا التوسع فتح مساراً جديداً للتنسيق مع أجهزة لا تزال تخضع لعملية إعادة هيكلة عميقة بعد سقوط النظام السابق، سواء على مستوى القيادة، أو العقيدة القتالية. وقد أثارت الخسائر الأمريكية في هجوم تدمر تساؤلات حقيقية داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن من احتمال الانزلاق إلى نمط استنزاف أمني جديد.
ويستند «داعش» في عودته إلى جملة من العوامل المترابطة، أبرزها تعثر العملية السياسية: الانقسامات داخل سوريا (الجيش السوري، قسد، السويداء) والتي خلقت ثغرات يستغلها التنظيم، كما أن الانسحاب الأمريكي التدريجي، وتقليص القوات من 2000 جندي إلى 1400 نهاية 2025، مع خطط لخفض إضافي بحلول 2026، أضعف العمود الفقري للتحالف الدولي.
إلغاء «قيصر»
بعد مرور 10 أيام على احتفالات الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، صوت الكونغرس الأمريكي على إلغاء قانون قيصر، القانون الذي شكل منذ عام 2019 أحد أكبر أنظمة العقوبات التي فرضت على سوريا خلال سنوات النزاع.
هذا القرار يحمل رسائل متعددة: أولها أن الولايات المتحدة باتت مستعدة للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة باعتبارها شريكاً، كما يفتح آفاقاً استراتيجية أمام دمشق، وفي مقدمتها السعي للحصول على «تصنيف ائتماني سيادي» يعيد دمج سوريا بالنظام المالي العالمي.
ويعد التصنيف الائتماني مؤشراً تعتمد عليه الوكالات الدولية لتقييم قدرة الدول على سداد ديونها ومستوى المخاطر الاستثمارية، كما يشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية، والاقتراض من الأسواق الدولية، والتعامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين.
اختارت مجلة «The Economist» البريطانية سوريا «دولة العام 2025» في تقريرها السنوي الذي اعتادت نشره منذ عام 2013، مشيرة إلى أن هذا التصنيف لا يُمنح للدول الأقوى أو الأغنى، لكن للدول التي تحقق أكبر تحسن ملموس خلال عام واحد على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. كما أكد التقرير أن سوريا تمكنت خلال عام 2025 من استعادة جزء من حضورها الدبلوماسي وإنهاء سنوات من العزلة الدولية، مع ظهور مؤشرات إيجابية على بداية تعافٍ مجتمعي بعد سنوات من الحرب والدمار.
10 مارس:
توقيع اتفاق بين دمشق و«قسد» يقضي باندماج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة
من الدمار إلى البناء
19 ديسمبر:
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلغي العقوبات المفروضة على سوريا «قانون قيصر»
22 يونيو:
أحمد الشرع يصدر مرسوماً بزيادة الرواتب بنسبة 200 % لجميع العاملين بالدولة
5 أكتوبر:
إجراء أول انتخابات تشريعية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024
29 يناير:
إدارة العمليات العسكرية في سوريا تعيّن أحمد الشرع رئيساً للبلاد