
سبق لي الحديث عن المبادرة التي أقدم عليها مُلاك (بيت الشيخ) أو دار آل يحيى، مشائخ مكتب المفلحي لإعادة ترميم قصرهم التليد في حاضرتهم (الجُربة) بيافع ، بنفس حجارته الأصلية والحفاظ عليه كما كان في هيئته الأصلية من الخارج، بما في ذلك النوافذ الخشبية بفتحاتها وزخارفها المحفورة في صميم الخشب، وكذا الزخارف والنقوش الخارجية المختلفة من حجارة (المَرو) بروعتها ورونقها التي تبدو في واجهة البيت أشبه بقلادة فضية جميلة..
كما أحسن مايسترو الترميم وصاحب المبادرة الشيخ عبدالحكيم أحمد سيف المفلحي صنعاً أن قام أيضاً بإعادة بناء السور الملحق بالقصر وطرزه بالزخارف بشكل جميل يتناغم مع شكل بناء القصر وزخارفه..
وها هو اليوم يُقدم على تطريز واجهات الديوان الرئيسي، أو المجلس، من الداخل بالنقوش والأشكال الفنية التقليدية مستعيناً بابنتهم الفنانة التشكيلية المبدعة نادية يحيى أحمد المفلحي، التي سبق أن تعرفنا عليها من خلال لوحاتها الفنية المميزة ومشاركاتها في عدد من المعارض الفنية، وكتبت عنها وعن موهبتها مقالة بعنوان (نادية المفلحي ..موهبة تتألق في ميدان الفن التشكيلي) بعد أن قدمها الأستاذ الأديب الكاتب فاروق المفلحي ضمن عنايته بتشجع الموهوبين والمبدعين، وقد ذكر ميل هذه الفنانة لاحياء (رسم القَطَ) التراثي الذي كان ينتشر في يافع والضالع والشعيب وردفان، وذكر أن والدته- طيب الله ثراها- كانت رسامة (قَطّ) وكانت تطرز غرف بيتهم بهذه الرسوم المبهجة.
وها هي الفنانة التشكيلة نادية المفلحي تواصل هذا الفن الجميل وتقدمه لنا بصبغة تجديدية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتبرز ذوقها المُرْهَف وتجسيدها للقيم الجماليَّة، كما يتضح من رسوماتها الزخرفية التي تزينت بها واجهات ديوان (بيت الشيخ) وهي رسومات تبهج النفس وتعكس الذوق الفني الرفيع، وهو ما تتحدث عنه الصور المرفقة التي حصلت عليها من صاحب المبادرة الشيخ عبدالحكيم المفلحي.. الذي حرص أن تقوم بهذه المهمة ابنتهم التي تميل بالفطرة إلى (فن القَطَ) الذي تشربته منذ طفولتها وأخذته عن أسلافها، وهو فن كان غالباً حكراً على النساء في يافع وعرفته البيوت القديمة حتى قبل دخول دهانات الألوان الصناعية(الطلاء) حيث كانت تُحاط واجهات الغرف الداخلية من الأسفل بارتفاع متر تقريبا، بشريط من ألوان غامقة يحضرونها من الأشجار وغيرها، ويسمى هذا الشريط باسماء متعددة في مختلف مناطق يافع، ومن هذه الأسماء (الحُذوة/ الحُضوة/الحُنوة/الحزمة/ القَطّه).
ونتمنى أن نرى هذا القصر التقليدي الأصيل قريباً وقد زُيِّنَ بالتشاريف، وهي تلك الأكاليل التي يتوج بها البيت اليافعي وترتفع عاليا في زوايا أسطح البيوت التقليدية المكتملة الطوابق، فبذلك تكمل آيات الأصالة والجمال في هذا البنيان الشامخ.
وهذه مجرد تحية مزدوجة لأصحاب هذا الإبداع، الثنائي الجميل، صاحب المبادرة الشيخ عبدالحكيم المفلحي، والفنانة التشكيلية المبدعة نادية المفلحي، ونتمنى أن نرى مثل الزخارف والرسومات تزين الكثير من بيوتنا من الداخل، أو على الأقل المجالس الرئيسية لتضفي على واجهاتها مسحات من الجمال الفني الأخاذ الذي يبهج النفوس، عوضاً عن الواجهات الخرساء التي تغلب على العمارة الاسمنتية الدخيلة على فننا المعماري، مقارنة بزخارف ونقوش البيوت التقليدية القديمة.
