المرأةُ العربيةُ والزواج من أجنبي.

كتب : نهلة فضل الله الجاك
عبر التاريخ كان الزواج وسيلة تقارُب بين الشعوب والقبائل تستمدُّ قواها من الزواج من بعضها البعض ولا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
الآن وفي زماننا هذا تغيّرت الحياة وانتقل الإنسان إلى حياة الحضر ووُضعت الحدود الجغرافية بعد أن ساد مفهوم المناطقية لدى الشعوب ليكون لكلّ شعب منطقته وبلده وعاداته وتقاليده التي تميِّزه عن غيره وبهذا تقلّصت الدائرة المجتمعية وأصبح من العادات والتقاليد أن يكون الزواج من أبناء العشيرة أو القبيلة الواحدة أو البلد الواحد فقط والاعتقاد السائد هنا أن اختلاف الثقافات والبلدان يؤدي إلى فشل الزواج.
والآن وفي الظروف الحالية زاد احتياج الإنسان إلى السفر لتحسين الظروف الاقتصادية أو التعليم أو السياحة أو العبور من دول إلى أخرى للتجارة وقد سهلت وسائل السفر وتوفّرت ،وأيضاً انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كل هذه الأشياء ساعدت كثيراً في انتشار زواج الأجانب أو ما يسمي عالمياً بالزواج المختلط لاختلاف البلدان والثقافات واللغة والدين. أصبح هذا النوع من الزواج في زيادة واضحة في كثير من الدول والمجتمع مابين رافض ومؤيد وصار واقعاً يزداد يوماً بعد يوم بين جميع الدول والمجتمعات مما ينبه إلى الانتباه والاهتمام لقضايا هذا النوع من الزواج وتفرد له المساحات للدراسة والنظر في ما قد يكون في المستقبل بالذات حين يُثمر هذا الزواج ويكون هناك اطفال يحتاجون إلى هوية الوالدين وإلى الحقوق الكاملة من الدولتين.
وفي هذا المقال سنتحدث عن المرأة المتزوجة من زوج من بلد مختلف وجنسية مختلفة وعرق مختلف وثقافة مختلفة ولغة مختلفة فهذا هو التحدي الحقيقي لها.
قد تناول الإعلام العالمي والعربي الزواج المختلط وتزامنت معه الدعوات العالمية والمحلية حول ضرورة تقبُّل واحترام اختيار كل إنسان إلا أن التحدِّي ما زال قائماً يواجه الزوجين بكلِّ بلد.
أتحدث في مقالي هذا ولي تجربتي الشخصية فأنا زوجي من دولة أخرى قد عايشت كل التحديات وتخطيت بعضاً منها وهذا ما جعلني أتجه لتكوين اتحاد للسودانيين والسودانيات المتزوجين من أجانب واهتميت بجانب المرأة أكثر لأنها الأضعف في هذا النوع من الزواج وكل ما يقع عليه من تحديات تكون هي صاحبة النصيب الأكبر كما هو في كل جوانب الحياة بوطننا العربي فالمرأة تواجه الهجر والطلاق أحياناً ومعها أطفال قد لايكون لهم هوية أب وأن يكون بدولتها صعوبة في تجنيس الأبناء فتبدأ من هنا المشكلات الإنسانية المؤثرة جداً وقد لامست بنفسي هذة المشكلات ووقفت عليها مع اخواتي بالسودان، ونحن كدولة عربية لنا عادات وتقاليد فيها نوع من الرفض وعدم القبول وحين يحدث هذا النوع من الزواج فهناك الكثير والكثير من التحدّيات لنا كنساء ولأطفالنا ولأُسرنا الكبيرة.
فكان الاتحاد وجهة حقيقية لمعالجة كثير من المشكلات ومتقنين أوضاع أطفال قد هجرهم آباءهم أو هروباً أو اختفاء أو مات بعضهم لرحمة ربه دون أن يلحقوهم بهوية بلدهم الأصل وهذا الشيء ينتح عنه ما يسمى بالأطفال دون هوية أو البدون ،والبدون ظاهرة انتشرت مؤخراً وهي تحدٍّ حقيقي وتؤثر في الأمن القومي لكلِّ بلد، لأنه إذا كان هناك إنسان دون هوية فهذا يعني التشرُّد وفقدان حق الحياة التي كفلها الله للإنسانية جمعاء بالتساوي.
البداية في أي مقال بالتحدُّث عن الإيجابيات هو فال طيب يجلب الطاقة الإيجابية بالذات في المواضيع الكبيرة والشائكة لهذا أريد أن أذكر هنا الإيجابيات للزواج المختلط.
كسر الصورة النمطية السلبية من الزوجين بتكوين أسرة مستقرة قادرة على التأقلُم مع المجتمع الجديد قادرة على مواجهة جميع التحديات.
اكتساب لغة جديدة وإضافة ما هو حسن من عادات وتقاليد مجتمع مختلف بكل مكوناته هذه إضافة للمجتمع.
قد يحظى الأطفال بمصدر قوة إذ سيحظون على الأغلب بجنسية ثانية ولغة ثانية وعادات وتقاليد وإرث حضاري مختلف من بلدين مختلفين.
وكذلك اكتشاف الجوانب الجديدة عند الاختلاط مع أهل الشريك وعالمه الثقافي وبيئته الأصلية مما يجعل عامل التشويق قائماً والتقليل من عالم عدم القبول والملل إلى حدِّ القدرة على التعايش.
يحظى الأطفال بصحة جيدة من حيث تحسين الجينات والابتعاد عن الأمراض الوراثية التي تنشأ من زواج الأقارب ويكون لهؤلاء الأطفال مقدّرات لافتة نتيجة تمازُج هذه الجينات المختلفة ويعزِّزها هذا ما سوف يختبرونه لاحقاً من تمازُج ثقافتين.
وهنا الجانب الآخر وفيه من التحديات الكبيرة مسألة الديانة وهنا يأتي التحدِّي الأكبر في الزواج المختلط.
رفض العائلة، نظرة المجتمع، صعوبة التواصل وتباعد الصفات والخلفيات الثقافية هذا التحدي كلما مرَّ وقت يظهر الكثير ليكتشف وقد لايظهر في بداية الزواج فلا يكون هناك سوى الصبر والتحمُّل لاستمرار الزواج.
مشاكل الطلاق والحضانة للأطفال يكون الأطفال هنا هم الضحية.
الوحدة والشعور بالانعزال وعدم المقدرة على التأقلم مع المجتمع الجديد نسبة لاختلاف اللغة أو المعتقدات أو لرغبة الزوج بالاحتفاظ بهويته مما يسبب نوعاً من الانعزال والملل.
مشاكل التنمُّر وعدم القبول أحياناً للأطفال.
مشاكل الانتقال للزوجين من بلدين مختلفين لابد من الاستقرار ببلد احداهما أو بلد آخر.
الصدمة الثقافية أيضاً من التحديات لما يوجد من توقعات مختلفة في الثقافات تشعر الغرابة والعزلة أحياناً.
مفاتيح نجاح هذا النوع من الزواج تكمن في قوة التحمُّل ببذل مجهود مشترك من الطرفين وعائلاتهم وفهم ثقافة الآخر واحترامها وخلق قيم التفاهم والاحترام والحب على المدى الطويل في العلاقات.
الانغماس في الجانب الجيّد من ثقافة الشريك والحفاظ على الهوية الشخصية والعادات والتقاليد دون التنازل عنها.
مناقشة المعتقدات الدينية قبل الدخول في الزواج مهم جداً.
امتلاك دوافع منطقية وسليمة للإقدام على هذا النوع من الزواج لضمان استمراره مدى الحياة.
يطول الحديث عن هذا النوع من الزواج نتمنى أن نجد مساحات أخرى للحديث عن الكثير بالذات ما تواجهه المرأة العربية في هذا الزواج.
ونوصي هنا جميع جهات الاختصاص بكل بلد الاهتمام بهذا الملف لما فيه من جوانب اجتماعية وإنسانية تستحق الاهتمام واتمنى أن يكون لكل دولة منظمة أو اتحاد يجمع هؤلاء النساء لإمكانية التواصل مع بعض وطرق جميع المشكلات ومحاولة حلّها حتى أن تكون هناك أعمال وتدريب ومعرفة للاستفادة وإفادة المجتمع.
ولكم مني كل الشكر وللحديث بقية.
في رعاية الله وحمايته
مهندس نهله فضل الله الجاك
رئيس ومؤسس اتحاد السودانيات والسودانيين أزواج الأجانب.