مقالات وآراء

أمل بلا حدود الجنوب العربي .. روعة الإنسان والطبيعة.

كتب : حيدر محمد علي

في طفولتي كان يدور الحديث عن انطلاق الثورة ضد المستعمر البريطاني من جبال ردفان.

 

لم أكن أعلم أين توجد ردفان ، ولكني كنت أعرف معنى اندلاع ثورات الشعوب ، فلقد كانت حكاوي أهلنا عن ثورة الضباط السودانيين وبطولاتهم في العام 1924 تملؤنا فخرا وعزة، ورسخ في ذهني وقتها أن الاستعمار يعني بريطانيا بمكوناتها الأربعة انجلترا – ويلز -ايرلندا – اسكتلندا. وأن الثورات يجب أن تندلع من جبال ردفان في كل العالم (حسب فهمي وقتها)…فزاد فخري بظهور أبطال في زماننا يدحرون المستعمر .

 

وفي صبانا الأول كانت الفتيات والسيدات يشددن الرحال لمدينة أم درمان لدكان (العدني)فقد اشتهر وقتها أحد التجار القادمين من عدن ببيع أدوات الزينة والاكسسوارات التي لم تكن معروفة في السودان بصورة تجارية حديثه قبله، ومن الطرائف أن كل شخص فتح محلا للاكسسوارات بعدها أطلقوا عليه اسم (العدني) حتى وإن كان سودانيا أو مصريا أو شاميا

وعدن مدينة كانت في خيالي زمانا قبل أن أراها لثلاث أشياء

أولاً كنت أحفظ اسمها وأراه مقرونا بالجمال قبل زيارتها بعد عشرين عاما من دارستنا لتلك القصيدة الرائعة للشاعر علي الجارم ، والتي خلد فيها روعة جنوب جزيرة العرب في وقت كان وسطها وشرقها يعاني مايعاني قبل ثورة البترول فقد حكى حوار دار بين رياح قادمة من عدن ووصلت الحجاز ، وتعجبت للجفاف والتصحر الذي تعيش فيه العصافير الجميلة وحاورتها حوارا رائعا

عُصفورَتانِ في الحِجا

زِ حَلَّتا عَلى فَنَن

في خامِلٍ مِنَ الرِيا

ضِ لا نَدٍ وَلا حَسَن

بَيناهُما تَنتَجِيا

نِ سَحَراً عَلى الغُصُن

مَرَّ عَلى أَيكِهِما

ريحٌ سَرى مِنَ اليَمَن

حَيّا وَقالَ دُرَّتا

نِ في وِعاءٍ مُمتَهَن

لَقَد رَأَيتُ حَولَ صَن

عاءَ وَفي ظِلِّ عَدَن

خَمائِلاً كَأَنَّها

بَقِيَّة مِن ذي يَزَن

الحَبُّ فيها سُكَّرٌ

وَالماءُ شُهدٌ وَلَبَن

لَم يَرَها الطَيرُ وَلَم

يَسمَع بِها إِلّا اِفتَتَن

هَيّا اِركَباني نَأتِها

في ساعَةٍ مِنَ الزَمَن

قالَت لَهُ إِحداهُما

وَالطَيرُ مِنهُنَّ الفَطِن

يا ريحُ أَنتَ اِبنُ السَبي

لِ ما عَرَفتَ ما السَكَن

هَب جَنَّةَ الخُلدِ اليَمَن

لا شَيءَ يَعدِلُ الوَطَن

فباتت عدن في خيالي جنة على الأرض ، ثم أكد ذلك أبي الذي زارها في العام 1973م وحدثنا عن جمالها وروعة أهلها

وظلت عدن والمكلا والشحر وأبين ولحج مدن خالدة في الذاكرة خاصة أن الجنوب العربي عرف العلاقات مع السودان منذ أيام السلاطين

فكان الشيخ القدال محمدسعيد المعلم الذي جاء للمنطقة وتولى قيادة التعليم زمانا ثم جاء بعده ابنه محمد سعيد القدال والشاعر المعلم مبارك حسن الخليفة الذي كتب الروائع في إنسان المنطقة

ثانيا كنت مفتونا بالحديث عن عدن والجنوب منذ نعومة أظافرنا ونحن نستمع لمجموعة من الاغنيات السودانية في عصرها الذهبي كتبت في السيدة العظيمة(عديلة) ذاكرة روعتها وكريم أخلاقها وثقافتها وعفافها حين قدمت للخرطوم لدراسة فنون العمل التلفزيوني مطلع السبعينات.

 

كما كان لروعة أغنيات أبوبكر سالم بلفقيه، واحتفاظ الذاكرة بتلك الأغنية الشعبية الخالدة يابنات المكلا

يادواء كل علة

أثرها الكبير في الرغبة في زيارة عدن والجنوب الرائع، وتحققت امنيتي بعد عقود ،

فزرت عدن في ابريل 1990

لاستمتع ببلاد رائعة وشعب نبيل

وكنت معجبا جدا للعبارات الجميلة المدونة على لوحات مزركشة في شوارع المعلا والتواهي واحتفظت بأروعها

(وطن لانحميه، لانستحقه)

املي أن ينعم أهل الجنوب بالأمن والاستقرار .. وأن تعود لعدن تلك الليالي الثقافية والفنية التي تجمع فناني العرب في منتدياتها يقدمون الروائع ويستمتعون معنا بفيصل علوي.

زر الذهاب إلى الأعلى