الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال المجيد .. محطة عبور لاستعادة الأمجاد الجنوبية المسلوبة.

كتب: د. محمد سعيد الزعوري
في كل عام تمر علينا أعياد وطنية عزيزة على قلوبنا ، ولكل ذكرى وقع مؤثر وباعث للروح الوطنية تسموا به النفوس وتشدوا به المشاعر .. وفي كل عام نتوقف مليئا عند محطاتها القصيرة لنستحضر تاريخا مكثفا نَسَج أحداثه رجال صدقوا مع الله فصدقهم ، بالأمس كنا نحيي مليونية الذكرى 62 لثورة الرابع عشر من اكتوبر ، وها نحن اليوم نستقبل ذكرى الثلاثين من نوفمبر 1967م اليوم الذي رفرف فيه علم الجنوب في سارية الأمم المتحدة معلنا عن ولادة دولة الجنوب العربي ، يوم انتصرت فيه الإرادة وتحقق الحلم الذي كتبت فصوله بنهر من الدماء والتضحيات الجسام .
وعلى خطى الأجداد والآباء نحتفي بالذكرى ال 58 لعيد الاستقلال المجيد الثلاثين من نوفمبر كمحطة عبور جديدة لاستعادة الأمجاد الجنوبية المسلوبة .. وحري بنا أن ندرك أن من يتكئ على ماض مثقل بالانتصارات والمنجزات فحاضره وإن تعثر فلن يتوه أو تجرفه المتغيرات .. وشعبنا يختزن إرثا وطنيا خالدا يفاخر به بين الأمم .
نحتفل وفي الوجدان حنين لا ينقطع لماض صُنعت فيه تراجيديا الحلم الجنوبي ، حنين يتردد صداه على أيقاع الامنيات العراض لحقبة مضت وتركت عبقها الفريد يفوح شغفا وعشقا عبر الزمان والمكان ، إنها ليست مجردَ تاريخٍ في التقويم ، بل شعلةٌ تتقدُ في ضميرِ الأجيال، تذكرنا بأننا أبناءُ دولةٍ ذاتِ سيادة ، لم تُوهبْ لنا بالدعاء ، بل انتزعناها بالكفاح والتضحيات الجسام ، ومازال في القصة فصول لم تروى بعد ، وقد حان الوقت ليسمعها العالم .
أيها الجنوبيون الأحرار .. إننا نمر بلحظة تاريخية فارقة ، علينا جميعا أن نستلهمُ منها أسباب القوة والثبات ، وقوتنا تكمن في تماسك جبهتنا الداخلية وتوحيد صفوفنا والسير بخط واثقة خلف قيادتنا السياسية الحكيمة .. لنجعل من ذكرى الاستقلالِ وقفةً مصالحةٍ مع الذات ، ندفنُ فيها الخلافاتِ الثانوية ، ونركزُ على الهدفِ الأكبر ” تحريرُ الأرضِ وإعادةُ بناءِ الدولة الجنوبية المنشودة ” .
لنقف جميعا خلف المجلس الانتقالي الجنوبي .. حامل وحامي المشروعِ التحرري الجنوبي ، إنه قاربِ النجاةِ الوحيد للخروج من لجج البحر وأمواجه العاتية ليمضي بنا بأمان الى ميناء الحرية والخلاص ، المجلس الانتقالي منجز وطني عظيم تحقق ويجب الحفاظ عليه ، والتمسك بشرعيته ، والعمل تحت قيادته بروح الفريق الواحد تحت شعار ” الجنوب بكل ولكل أبناءه ” فهو الحامل السياسي الذي يجمعُ الجنوبيين تحت هدف واحد ، والممثلُ الشرعيُّ لتطلعاتِ شعب الجنوب ، فلنمد أيدينا جميعا ونعاهد الشهداء والجرحى للسير على خطاهم حتى تحرير الأرض واستعادة الدولة المسلوبة ، ونعزز قيم الحوار والتقارب لتعزيز دور المجلس الانتقالي الجنوبي كإطار سياسي جامع لاستكمال مرحلةَ الثورة واستعادة الدولة ، ومن ثم التحول إلى مرحلةِ البناءِ والإدارة الفعلية ، وبناءُ المؤسسات ، وإدارةُ المحافظات ، وتحضيرُ الأرضيةِ لقيامِ ” دولةِ الجنوب العربي الفيدرالية ” المنشودة ، إن الانخراط في صفوف المجلس الانتقالي والدفاع عن ثوابت القضية الجنوبية واجبٌ وطني ، والتفريط بها وتبني مشاريع مناهضة للإجماع الجنوبي خيانةٌ للقضية لن يغفرها شعبنا .
إن الدولةُ الجنوبيةُ ليست ذكرى نسترجعها بالعواطف ، بل هي مستقبلٌ نصنعهُ بإرادةٍ حديدية واعية بالمخاطر والمهددات .. دولةُ القانونِ والمؤسسات ، دولة تحفظُ لمواطنيها كرامتَهم وحقوقَهم ، وتعيدُ للجنوبِ مكانتَه الإقليميةَ والدولية .. هذا هو الهدفُ الذي ضحى من أجلهِ الآباءُ والأجداد ، وعلى خطاهم مضت مواكب الأبناء والأحفاد ، وعلى ذات السبيل ستمضي الأجيال القادمة جيل بعد جيل .
في الختام .. لنكنْ أمناءَ على الدمِ الجنوبي الذي سُفكْ من أجلِ الحرية والكرامة ، وقد حانت اللحظة لنحولْ ذكرى الاستقلالِ الأول إلى وقودٍ للعمل وحافزٍ للاستقلال الثاني واستعادة دولة الجنوب العربي .. فجميعنا على متن سفينةٍ واحدة ، إما أن نصلَ معاً الى بر الأمان ، أو نغرقَها ونغرق معًها الى الأبد ، ولا مكان بيننا لأنصاف الحلول .
تحيا دولة الجنوب.. حرةٌ مستقلةٌ أبية