مقالات وآراء

صمت التكتيك وبلاغة الفعل.. الجنوب يضع النقطة الفاصلة على السطر

كتب: حافظ الشجيفي

إن القارئ المتأمل، لا بل القارئ الحصيف الذي يملك أدوات تفكيك اللحظة التاريخية واستقراء ماضيها الآني، لا يمكنه بحال أن ينظر إلى العملية العسكرية التي أطلق عليها اسم “المستقبل الواعد” كمجرد مناوشة أو حتى انتصار عسكري طارئ يضاف إلى سجل الحروب الداخلية على هذه المنطقة الملتهبة من العالم. فما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن سوى الفصل الأخير، والفاصل الأهم، في كتاب طويل من الصبر السياسي والتخطيط العسكري المحكم، الذي أدار دفته المجلس الانتقالي الجنوبي باقتدار.
لقد كانت سنوات الشراكة، التي امتدت كظل ثقيل على المشهد الجنوبي، فترة عصيبة على النفوس العاشقة للوطن المستقل، فترة وُسمت بصمت الجنوبيين الذي ظن فيه البعض، بل وتوهم، أنه تنازل أو يأس، أو ربما انخرط في وهم الشراكة العابرة للحدود التاريخية والسياسية بين الشمال والجنوب. هذا الصمت، الذي بث شيئا من الإحباط في صفوف الثوار ونافخي الروح في مشروع استعادة دولة الجنوب، لم يكن في حقيقة أمره إلا تجسيدا للتكتيك الحكيم الذي يدرك أن الحسم لا يأتي بالعجلة، بل بتوفير شروط النصر المادي والمعنوي والسياسي المحلي والاقليمي والدولي على حد سواء.
لقد كان المجلس الانتقالي، وهو يتخذ مكانه على طاولة الشراكة، يمارس عملية جراحية بالغة التعقيد؛ فلم يكن الهدف هو البقاء في الشراكة او الوحدة المتهالكة، وإنما كان الهدف الأسمى هو “كشف الأقنعة” أمام المرجعية الإقليمية والدولية. فالشريك الشمالي، الذي كان يفترض أن ينشغل بتحرير عاصمته المغتصبة في صنعاء من قبضة الميليشيات، وجد الجنوبيون أنه قد حول بوصلته تماما ليصبح احتلالاً ناعماً مستغلاً حالة الحرب والشراكة. وتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الشمال لم ينظر إلى الجنوب كشريك ندي، وإنما اعتبره “وطناً بديلاً” أو ربما “غنيمة حرب” سهلة المنال، يُعبث بثرواتها ومقدراتها، اعتقاداً منه بأن الجنوبيين قد استنفدوا حراكهم، وأن الصمت التكتيكي هو نهاية المطاف.
وهنا تكمن عبقرية الخطوة التي تأخرت لكي تنضج. فقد سمح المجلس الانتقالي لهذه القوى، التي تتغطى بعباءة “الشرعية اليمنية”، أن تكشف عن وجهها الحقيقي في مناطق الثروة كالجنوب، وتحديداً في وادي حضرموت وصحراء المهرة، ليقدم بذلك دليلاً دامغاً للعالم على أن العقبة الكأداء أمام الاستقرار والسلام ليست ميليشيات الحوثي فحسب، بل أيضاً تلك القوى التي تتخذ من الجنوب “مزرعة اقتصادية” ومسرحاً لإطالة أمد الصراع في الشمال بهدف وحيد هو الاستمرار في الهيمنة على الجنوب.
إن عملية “المستقبل الواعد” لم تكن مجرد تحريك لفرق مدرعة أو كتائب مشاة، بل كانت إعلاناً سياسياً مدوياً بلسان الرصاص والمواقع المحررة؛ مفاده أن عهد التبعية قد ولى، وأن مقولة الشراكة انتهت ككذبة تاريخية لم تعد تنطلي على أحد. فبتحرير حضرموت والمهرة بالكامل، وتأمين السيطرة العسكرية الكاملة عليهما، لم يعد هناك “شبر واحد” جنوبي خارج السيطرة الفعلية والإرادة السياسية الجنوبية الخالصة.
والمجلس الانتقالي، وقد أثبت بهذا الفعل القاطع التزامه الأبدي بـ “هدف الشعب الجنوبي” في استعادة دولته كاملة السيادة، يقف اليوم في موقع القوة التي لا تحتاج إلى جدال أو تبرير. فقد أدى الجنوب واجبه تجاه الشمال، بل وأكثر من الواجب المفترض، وقدم تضحيات جسام في معركة لم تكن معركته الأصيلة، وها هو الآن يطوي صفحة الماضي بكل تعقيداتها، ليفتح صفحة جديدة، صفحة “الاستقلال الآتي” الذي لم يعد حلماً بعيد المنال، بل أصبح واقعاً عسكرياً على الأرض، ينتظر فقط “الإعلان الرسمي” الذي لن يتأخر طويلاً.
إنها لحظة استرداد الكرامة والثقة بالذات. إنها لحظة يرفع فيها الجنوبيون قبعاتهم، لا انحناءً لـ “قائد متفرد”، بل إجلالاً لـ “إرادة جمعية” استطاعت أن تحول الصمت التكتيكي إلى بلاغة الفعل القاهر، وتثبت أن التمسك بالهدف الوطني هو الجسر الوحيد الذي يعبر بنا إلى شاطئ الدولة المستعادة.

زر الذهاب إلى الأعلى