مقالات وآراء

عن حل القضية الجنوبية واستعادة دولة الجنوب العربي ومشاريع الأقاليم

بقلم اللواء: علي حسن زكي

إن ما وصل إليه حال شعب الجنوب في مختلف شؤون حياته، والوفاء لتضحيات الشهداء والجرحى، وحقه في تحقيق تطلعاته وسيادته وأمنه واستقراره ومستقبل أجياله اللاحقة، كل ذلك يتطلب حلاً عادلاً لقضيته واستعادة دولته، وهو المأمول من مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي، والجنوبي – الشمالي، في إطار تسوية سياسية شاملة للقضية اليمنية، كما أشار إليه الخطاب السعودي وأثناء لقاءات مسؤولين سعوديين مع الجنوبيين.

وفي ذات السياق، وتزامناً معه، بات محتملاً حتى الآن، بالنظر إلى مجمل التعقيدات الخارجية وما يمر به الجنوب من مرحلة معقدة تتداخل فيها الرؤى وتتصادم أحياناً بفعل تراكمات الصراعات والتجاذبات الحزبية والاصطفافات الجهوية والمناطقية، أن يأتي في سياقه ليس مشروع الإقليمين (شرقي وغربي) كما كان يتم تداوله، بل أقاليم على مستوى كل محافظة من المحافظات. وفي إطاره أن تكون حضرموت والمهرة وسقطرى إقليماً واحداً، وهو ما يرفضه أبناء المهرة ويتمسكون بأن تكون المهرة وسقطرى إقليماً، وسيرفضه أبناء سقطرى لا ريب، وأن تكون محافظتهم إقليماً بذاته. هذا ناهيك عن أن حضرموت تريد أن تكون أجزاء من شبوة ضمن إقليمها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به شبوة أيضاً.

وفي حال كل تلك المشاريع، فإنها ربما تستحضر ما كان قد نشأ من تقسيم في عهد بريطانيا إلى المحميات الشرقية والمحميات الغربية، بما هو استدعاء لما تجاوز حدود الخصومة السياسية مع دولة الجنوب إلى محاولة الإضرار ليس بمسماها جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ومقعدها، ولا بمسماها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي تم الدخول بها مشروع الوحدة عام 1990م، ولا بمشروعية استعادتها طالما كان مركزها ومقعدها الدولي قائماً، وكل ما تحتاجه إعلان فك الارتباط استناداً إلى كل ذلك، وإلى مشروعية بيان فك الارتباط الذي أعلنه الرئيس البيض أثناء الحرب والفتوى والاحتلال عام 1994م، وهو من أدخل دولة الجنوب في الوحدة مع دولة الشمال كمشروع وطني وقومي، لا كمشروع تبعية وضم وإلحاق ونهب وفيد واحتلال.

وبما هي خصومة هكذا مع دولة الجنوب، كما تم ذكره فيما سلف، فقد غابت عنها أيضاً كل تلك الأسانيد والمشروعية، وحضر مشروع استعادة دولة الجنوب العربي، وهو ما تم التقاطه من تلك المحافظات التي عانت من الإقصاء والتهميش أيضاً في بروز مشاريع الأقاليم، وخلاصته تجزئة الجنوب وتشطيره ودفن الدولة الجنوبية الواحدة وتمزيق النسيج الجغرافي والاجتماعي.

على أن استعادة دولة الجنوب العربي، وبالنظر إلى كل ما تقدم، سيكون مقبولاً جداً لجهة مشاريع الأقاليم، وطالما كانت حضرموت والمهرة وسقطرى وأجزاء من شبوة لم تكن ضمن حكومة الجنوب العربي، فقد ترى فيه ما يمنحها حق الأقاليم، وربما خارجياً بحسابات المصالح، والأكثر لجهة الشرق لا ريب لما يتمتع به من أهمية اقتصادية: ثروات نفطية وغازية، ومناجم ذهب، ومنافذ، وإطلالة على بحر العرب.

وبقراءة للمشهد الجنوبي الراهن، يتضح مدى ما كان لدى قيادة الجبهة القومية من عقل سياسي ناضج ومستشرف، حين أسست أطر تنظيمية في كل مناطق الجنوب بقيادة مناضلين أفذاذ، وأنها في ضوء تأسيس بريطانيا لكيان الجنوب العربي في المحميات الغربية دون الشرقية، كانت تريد من خلاله تجزئة الجنوب حتى لا تكون له دولة قادمة واحدة، ولذلك لم تتفاعل مع دعوة بريطانيا لتسليم الاستقلال في ظل وضع كهذا. وحين حانت ساعة الصفر، تم بدء إسقاط المناطق وصولاً إلى عدن، والتفاوض على الاستقلال وصولاً إلى تحقيقه وإعلانه يوم 30 نوفمبر 1967م. وليس مصادفة، ووفقاً لبيان الإعلان، أن تم تقسيم الجنوب إلى ست محافظات في إطار كيان وطني جنوبي واحد مسماه جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، وأن يرتبط ذلك بتعيين حدودها الدولية من المهرة وسقطرى شرقاً إلى باب المندب غرباً، جغرافياً وسياسياً كدولة واحدة موحدة، بما هي تلك الدولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي تم الدخول بها في وحدة 1990م.

ويجيء اليوم من يقول باستعادة دولة الجنوب العربي، لا إخلالاً بمشروعية استعادتها طالما لم يكن الجنوب قد دخل بدولة بهذا المسمى، ناهيك عن أن التمسك بمسمى الدولة التي تم الدخول بها في الوحدة لا يحتاج لأكثر من بيان إعلان فك الارتباط استناداً لتلك المشروعية، ولإعلان الرئيس البيض فك الارتباط وإعلان الدولة أثناء الحرب والفتوى والاحتلال عام 1994م بمسماها الذي وُقّع ودخل به الوحدة كمشروع وطني وقومي.

ويأتي من يقول باستعادة دولة الجنوب العربي، وهذه هي مؤشرات دولة الجنوب العربي وفقاً لمستجدات المشهد.

وختاماً، إذا كان هناك من يمكن له أن يقول كلمة حق في هذا المقام، فهو لجهة تأييد ودعم ما أكدته عدن عن تماسكها ووحدة أبنائها، وتشديدها على مكانتها ليس فقط في المشاركة والتمثيل العادل في الحوار ومخرجاته، ولكن في تمكين أبنائها أيضاً من الوصول إلى مواقع صنع القرار، وأن الوقت قد حان لتحقيق الإنصاف لكل أبنائها، وبما يحفظ كذلك للمدينة أهميتها الجيوسياسية ومكانتها كمركز للتعايش السلمي والمحبة والسلام وتعايش الأجناس والأديان، ورمزيتها كعاصمة تاريخية للجنوب ودولته بعد عقود من الإقصاء والتهميش والحرمان.

وبالعودة إلى آخر مستجدات الحوار، فقد تم تسليم الملف الجنوبي لقيادة شبوانية لإدارته، ولتوافر إمكانية أن تشكل شبوة جسراً للتواصل بين المحافظات وتقريب الرؤى والمشاريع نحو رؤية جنوبية واحدة، طالما كانت مقبولة وقد ظلت محايدة في كل ما حدث، كما تم تداوله.

الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ولا ريب في ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى