شيء من هوامش التذكار من رحلة حديقة زنجبار

كتب: أحمد مهدي سالم
كنت عصرية اليوم الجمعة في تمشية لأسرتي، وأسرة ابنتي.. تحركنا في أجواء بهجة وشقاوة الصغار الذين هم حلاوة وسبب ومقصد الحركة الأسرية..
تصدح الأنغام الفرائحية بعض الصياحات والاعتراضات، وذا ضربني، وذيك شلت الشوكولاتة حقي.. نتغاضى، وينطلق ولدي سامي بالسيارة، ويرفع مستوى النغم ليغطي على الشقاوة، وما مرور السيارة تلفح وجوهنا تيارات هوائية، لطيفة تنعش النفس، وتجدد النشاط.. حركتنا من جعار، وفي المخزن عطل التاير بل نخس، واحتاج مرقعة.. أوقفتنا أربعين دقيقة عند صاحب البنشر، والسيارة ممتلئة بهم كعلبة سردين، وازداد تشكع وصراخ الأطفال من الانتظار المزعج.. الفاصل الإعلاني المفروض علينا بسبب تهاون ولدي في المفاقدة، وقد حصل لنا مثل هذا في رحلة سابقة. عنده أهم شيء يسوق.. يتسلطن على السكان.
وقوفي.. عطل سيارتي عند بنشر المخزن، على مقربة من مطعم دائمًا، وأمر أمامه، وقد أعجبني اسمه الحلو: ” دلوني عليك “، وأكلم عيالي.. أنا معجب بهذا المطعم، وأكلت فيه ذات يوم فاستحسنته.
.. بصراحة دعايته جذابة، ويختلف عن بقية المطاعم… بعض أسمائها تسد النفس.
وأنا في ذروة المزاج ذكر أحفادي: جدة كانت معنا، وكنت ناسيًا، فخبط علي الرصة.. نعم زوجتي العزيزة مر على وفاتها عشرة أشهر.. قلت له: ياليتك ما تكلمت.. أصبتني في مقتل.. هيجت أشجاني ،الصغار ببراءتهم ينكأون جراحات الكبار دون أن يشعروا، ومن غير أن يقصدوا، وطبعت نفسي على النسيان، وعدت أستحضر لحظات التمشية إلى حديقتي الشهداء، والشهيد عبداللطيف السيد تسبقنا تساؤلات الأطفال المستعجلة.. متى نوصل؟.. ومعي ولدي الكبير ماجد الجامعي والصحفي المعروف.. مندوب للأيام، وعدن الغد، ويكتب في مواقع أخرى.. هذا من صغره يكره البحر، وأنا زمان أرتب تمشيات في المناسبات لعيالي في متنزهات أبين وعدن.. عدو لدود للبحر، ولو أخذته ضمن الرحلة بضغط مني.. يقعد معنا مغمومًا، لا يتفاعل ولا يضحك.. عدا مرة أخيرة ضغطت عليه زوجتي وأقنعته إلى الذهاب معنا إلى كورنيش الشيخ عبدالله بزنجبار، وهذه المرة الوحيدة التي قبل، وتحرك معنا مكرهًا، من يكره البحر إنسان مش طبيعي، وهذا قلته له.. وفي هذه اللحظات البحرية العشقية أتذكر الفنان العدني الكبير يوسف أحمد سالم الذي عُرف بحبه الشديد للبحر، ومعظم أوقاته، وأعماله الغنائية هبطت عليه في الساحل، وبين شباك الصياديين، وعلى القوارب..وهو صاحب أغنية ثورية شهيرة مطلعها:
يا ثورة الشعب دومي منارًا
فنحن بهديك الهادي اهتدينا
نمر على شامخات الجبالِ
ومن شامخات الجبالِ ابتدينا
وكانت تذاع باستمرار حتى في أيام الحراكات الشعبية الجنوبية التي تطالب باستقلال الجنوب..، وقريب منه حال الفنان الشعبي القدير عوض دحان، وتخزيناته مع صحبه في ساحل وادي حسان، ومرة وهو مروح في المساء طلعته معي في سيارتي، وتحادثنا عن البحر حتى وصلنا زنجبار ونزل.. الكلام مع المبدعين متعة.
،وطبعا لا ننسى الموسيقار الكبير أحمد قاسم الذي مرت ذكرى ولادته في الأول من إبريل، وعشقه الجميل للبحر، وساحل أبين مع صنوه رفيقه في رحلة الغناء العدني الرائع الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان.. كان البحر قاسمهما المشترك، وأذكر وأنا أدرس سنة ثالثة بكالوريوس في كلية التربية أسكنونا في قسم داخلي ملاصق لبيت الموسيقار.. أظن القسم الداخلي كان يتبع دار المعلمين أو المعهد التجاري.. لست متأكدًا، وأتذكر أننا أكملنا البكالوريوس في اللغة العربية والآداب، وطلعت الأول على الدفعة بامتياز في عام 89/1990..كنت مجتهدًا ومتفوقًا، وكانت كثير من مذاكراتي في معبد ساحل أبين..حيث الموج والرملة، وصيرة لما تترقرق، وتسكب هواه كله.. على الهوى والوداد ما بيننا الاثنين.
بعض حوادث رحلة اليوم إلى حدائق زنجبار فجَّرت في وجداني شلالات ذكريات جميلة فحرصت على تقييدها في الأسطر السابقة.. على طريقة الشيء بالشيء يذكر.
الحديقة زاخرة بأعداد كبيرة من الأسر، والأطفال الصغار يحتفون باللعب وصعود الألعاب، وشراء البساكت والويفرات والمشروبات المتنوعة، ويتبادلون الصياحات والمشاكسات، ويلحون في طلب مزيد من الفلوس من آبائهم وأمهاتهم، طمع زايد حبتين، وظروف أهلهم في كثير من الأحيان صعبة.
تحس أن الناس يقضون لحظات مريحة، ولا يثير انزعاجهم سوى عدم وجود حمامات بشكل كاف..حمام واحد لا يكفي.. معك أعداد كبيرة جدًّا.
وكمان ما فيش شبكات نت، وهذي سلبية.. وعسى في الفترات القادمة نزورها، وقد كمل ما نقص.
ولا ننسى جهود مديرة ساحة الشهداء الأخت انتباه سيلان، واهتمام ودعم الأخ النشط مروان باقس مدير عام صندوق النظافة بالمحافظة.. بصمات قوية الحضور، وتبعث في دواخلنا المزيد من السرور.