عن الجروح النازفة في الجسد الجنوبي نتحدث

بقلم/ اللواء علي حسن زكي
من خلال قراءة متأنية وهادئة لأوضاع شعب الجنوب الأبي، يتضح ـ ودون أي مواربة ـ أنه بات يعاني من جروح نازفة في جسده، تتمثل في:
معاناة معيشية مؤلمة، وتدنٍّ في مستوى الدخل العام، وارتفاعات سعرية، وتلاعب في أسواق البيع لا رادع له.
وكذلك تردّي ملف الخدمات العامة، وفي مقدمتها خدمتا الكهرباء والمياه، بشكل لافت وغير مسبوق في العاصمة عدن وبقية المحافظات الأخرى.
أما عن تردّي أوضاع البيئة والصرف الصحي، فيكفي القول ـ وعلى سبيل المثال ـ إنه في أيام الزمن الجميل، حين كان المرء يمر بشوارع وأحياء حوطة لحج، كان يشم روائح الفل والكاذي، أما اليوم ـ وبصورة عامة ـ فتفوح روائح انفجار البيارات وطفح مياه الصرف الصحي النتنة، وعليه القياس.
وعن ضعف خدمات الصحة العامة والتربية والتعليم بمستوياته المختلفة، ومستوى تحصيل الطلاب بصورة عامة أيضًا، وكذلك مواعيد صرف المرتبات على شحتها، فحدّث ولا حرج.
وفي ذات السياق، تشتعل حرب الجبهات العسكرية على الحدود، وأهمها جبهة الضالع وجبهة كرش، طالما كانوا يرون في اختراق أيٍّ منها طريقًا للوصول إلى عدن، وعبثًا يحاولون، لكنهم يرومون من خلالها فقط استنزاف قدرات الجيش الجنوبي في العدة والعتاد.
فضلًا عن عودة جرائم الاغتيالات الإرهابية، واتخاذها من ضواحي العاصمة عدن مكانًا للتنفيذ، ربما لتصفية حسابات سياسية، أما أن تكون عدن مكانًا لتنفيذها فليس اختيارًا اعتباطيًا، بل بقصد تقديم عدن والجنوب أمام المجتمعين الإقليمي والدولي على غير حقيقته، فبدلًا من كونه بيئة طاردة للإرهاب، يريدون تقديمه كبيئة حاضنة له، وهيهات لهم ذلك، فقد كانت أعين أبطال الأجهزة الأمنية لهم بالمرصاد.
وقد جاء في تصريح لإدارة أمن عدن:
“إن المحكمة الجزائية المتخصصة ستبدأ صباح الأحد 17 مايو الحالي أولى جلسات محاكمة عدد من المتهمين في قضايا اغتيالات وأعمال إرهابية استهدفت أمن واستقرار العاصمة، وفي مقدمتها قضية اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر، إلى جانب النظر في ملفات أخرى مرتبطة بخلايا إجرامية متورطة في تنفيذ أعمال تخريبية وإرهابية” ـ وقد بدأت بالفعل ـ وهي، وفي زمن قياسي بين تلك الأفعال وبين التتبع الأمني والضبط وبدء الجلسات، تحمل رسالة لكل من تسوّل له نفسه إزهاق الأرواح البريئة والإخلال بالاستقرار، بأن أمن عدن وكل محافظات الجنوب خط أحمر، وأن أعين الأجهزة الأمنية لهم بالمرصاد.
وعلى صعيد حل قضية شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته، وما يجري من تفاهمات على طريق تسوية سياسية شاملة للقضية اليمنية، وبضمنها القضية الجنوبية، فإن ما تم بين الشرعية والحوثي بشأن تبادل الأسرى خطوة في الطريق لا ريب، وكذلك ما يتم تداوله من أخبار عن وعود أُعطيت للحوثي بمنحه نصيبًا أوفر من عائدات نفط وغاز شبوة وحضرموت مقابل السماح بإعادة تصديره.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، فقد كانت أحداث مطلع العام الحالي بمثابة الرصاصة التي أُطلقت على قيادة المجلس الانتقالي، وكان من نتائجها أن توزعت القيادة إلى ثلاث مجموعات: مجموعة الرئيس عيدروس ـ وربما في أبوظبي ـ ومجموعة الرياض، ومجموعة الداخل، وفي ظل أوضاع كهذه تناسلت المجالس والمكونات، وتعددت المسميات، بما فيها مكونات سبق أن انضمت إلى الانتقالي ثم انسلخت عنه وعادت إلى مسمياتها السابقة، ومنها خرجت مكونات أخرى بنفس المسمى مع بعض التعديل.
على أن توزع قيادة الانتقالي ـ وإن كانت قد استدعته ظروف استثنائية ـ فإنه لن يفلّ من إرادة التمسك بقضية شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته، ولن يكون سببًا للاختلافات، وفي الحالتين يبقى الفارق كبيرًا بين من يرفع الشعارات عبر الميكروفون ومن يرفعها في الميدان.
إن الحل، ولا غيره:
حوار جنوبي ـ جنوبي ندّي، تتمثل فيه كل جغرافيا الجنوب وألوان طيفه، سقفه السماء، وهدفه إخراج شعب الجنوب من جحيم معاناته المعيشية والخدمية الراهنة، وتحقيق تطلعاته في حل قضيته واستعادة دولته وتقرير مصيره.
ووضع أسس وطنية جنوبية للاصطفاف والوحدة الجنوبية، وتأسيس جبهة وطنية يكون المجلس الانتقالي ـ بامتداده التنظيمي وحضوره الشعبي ـ حاضرًا وفاعلًا فيها، مستفيدًا ومفيدًا من نجاحاته وإخفاقاته وكبوات تجربته المؤسسية على مدى السنوات العشر الماضية (2017 ـ 2026م)، ومن أداء قياداته وأدواته، وأن يخرج الحوار بمشروع سياسي ورؤية توافقية واحدة، وتمثيل جنوبي توافقي موحد في أي مفاوضات سياسية قادمة.