مقالات وآراء

منهجية تحقيق الأنساب وتمييز المتشابهين في الأسماء والألقاب

بقلم: النسابة المحقق د. مولاي إبراهيم جماني آل الأساوي البكري القرشي

 

 

دراسة في التفريق بين الولي الصالح سيدي محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري الصديقي، والولي الصالح أبي يعزى يلنور المعروف بسيدي بوعزة.

يُعدّ تشابه الأسماء والكنى والألقاب من أبرز المسائل التي أوقعت بعض المؤرخين والنسابين في الخلط بين الشخصيات، ولا سيما حين تتشابه الأسماء مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والأنساب والطبقات. وقد كان هذا الباب، عبر التاريخ، سببًا في نسبة أخبار رجل إلى آخر، وإلحاق أعقاب أسرة بأخرى، وربط شخصيات لم يجمع بينها في الحقيقة نسب ولا زمان ولا مكان.
ومن هنا تبرز أهمية المنهج النقدي في تحقيق الأنساب والتراجم، إذ لا يكفي في إثبات اتحاد شخصيتين أن تتشابه أسماؤهما أو ألقابهما، بل لا بد من اجتماع عدد من القرائن والأدلة، من أهمها: اتصال سلسلة النسب، وتوافق الطبقة الزمنية، ووحدة المجال الجغرافي، وثبوت الأعقاب، ومقارنة الروايات، والتحقق من الوثائق، والاستناد إلى شهادة أهل المعرفة والاختصاص.
ومن الأمثلة التي تستدعي التحقيق والتدقيق مسألة التفريق بين الولي الصالح سيدي محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري الصديقي القرشي، المنسوب في الروايات والوثائق المتداولة إلى الأسرة الأساوية البكرية الصديقية، وبين الولي الصالح أبي يعزى يلنور، المعروف في المصادر والروايات المحلية باسم سيدي بوعزة، والذي تذكر بعض المصادر أنه من هزميرة، من إيروجان من هسكورة، وأنه ينتسب إلى المجال المصمودي، مع اختلاف الروايات في اسمه ونسبه وتفاصيل سيرته.
والذي ينبغي تقريره، من الناحية المنهجية، أن الاشتراك في لفظ «يعزى» لا يكفي وحده لإثبات أن الشخصيتين شخصية واحدة، كما لا يكفي لإثبات وجود صلة نسب بينهما. فالأسماء والألقاب قد تتكرر بين الأشخاص والقبائل والأسر، وقد يحمل أكثر من رجل الاسم نفسه أو اللقب ذاته في أزمنة وأماكن مختلفة.
ولهذا كان من أصول التحقيق عند علماء الأنساب والتراجم ضرورة التمييز بين المتشابهين، وعدم الجمع بين الشخصيات إلا بعد قيام الدليل. ويُنظر في ذلك إلى مجموع القرائن، لا إلى قرينة منفردة؛ فيُبحث في النسب، والزمان، والمكان، والشيوخ، والتلاميذ، والأعقاب، والرحلات، والآثار، والوثائق، ثم تُقارن هذه العناصر بعضها ببعض للوصول إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب.
وقد نبه علماء الأنساب والتاريخ إلى خطورة التشابه في الأسماء، وأكدوا أن النسب لا يثبت بمجرد الاشتراك في الاسم أو اللقب، بل لا بد من نقل معتبر واستفاضة صحيحة وقرائن متضافرة. كما أن كتب الأنساب والتراجم نفسها تشهد بوجود شخصيات متعددة تحمل أسماء متقاربة، الأمر الذي جعل التمييز بينها من أهم وظائف الباحث في هذا المجال.
وبناءً على هذه القاعدة، فإن البحث في شخصية سيدي محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري الصديقي لا ينبغي أن يُبنى على مجرد تشابه اسمه مع اسم أبي يعزى يلنور المعروف بسيدي بوعزة، بل يجب أن ينطلق من دراسة مستقلة لكل شخصية، ثم مقارنة ما ثبت من أخبارهما وأنسابهما وأزمانهما وأمكنتهما وأعقابهما.
ومن القرائن التي تستحق الدراسة في هذا الباب اختلاف ما تنسبه الروايات إلى كل شخصية من أصل ونسب، واختلاف المواطن التي ارتبطت بها كل واحدة منهما، فضلًا عن اختلاف السياقات التاريخية والطبقات التي وردت فيها أخبارهما. فإذا ثبت اختلاف النسب، واختلفت الطبقة الزمنية، وتباين المجال الجغرافي، ولم توجد وثيقة قديمة معتبرة تصل بين الشخصيتين، فإن الأصل المنهجي هو القول بتعدد الشخصيتين، إلى أن يظهر دليل صحيح يثبت خلاف ذلك.
كما أن تحقيق الأنساب لا يقتصر على الروايات الشفوية وحدها، وإنما يشمل دراسة الوثائق العدلية، والظهائر السلطانية، والرسائل والمراسلات القديمة، وشجرات النسب، والمخطوطات، وكتب التراجم والمناقب، وما حفظته خزائن الأسر والزوايا من وثائق متوارثة. وتزداد قيمة هذه المصادر متى ثبتت أصولها، وتحقق تاريخها، وقورنت بنظائرها من الوثائق المستقلة.
أما الفحوص الجينية الحديثة، وبخاصة فحوص Y-DNA الخاصة بالخط الأبوي، فقد أصبحت من الأدوات المساعدة في الدراسات الحديثة للأنساب، ويمكن أن تقدم قرائن مفيدة عند مقارنتها بعينات موثقة من فروع أسرية معروفة. غير أن المنهج العلمي يقتضي عدم عزل النتائج الجينية عن الأدلة التاريخية، إذ إن التحور الجيني يدل على صلة أبوية وراثية ضمن خط معين، لكنه لا يثبت بمفرده اسم جد تاريخي بعينه، ولا يغني عن الوثائق والمصادر والسلاسل النسبية المتصلة.
ومن هذا المنطلق، فإن النتائج الجينية التي تُنسب إلى بعض الفروع المنتسبة إلى سيدي محمد يعزى ويهدى، وكذلك النتائج المنسوبة إلى فروع أخرى تنتسب إلى أبي يعزى يلنور، يمكن أن تُدرس باعتبارها قرائن مساعدة في البحث، على أن تكون العينات موثقة، وأن تُعرض النتائج كاملة، وأن يُراعى في تفسيرها المنهج العلمي المتعارف عليه في علم الأنساب الجيني.
والأصل في هذا الباب أن النسب التاريخي لا يُحسم بالتشابه في الأسماء، كما لا يُحسم بمجرد الرواية المتأخرة، وإنما يُنظر إلى مجموع الأدلة والقرائن. فإذا اجتمعت الوثيقة القديمة، والرواية المتصلة، والاستفاضة بين أهل المعرفة، وتوافق الزمان والمكان، وثبوت الأعقاب، وأيدت ذلك القرائن الجينية عند توفرها، أصبح البحث أكثر قوة ورسوخًا.
ومن هنا فإن دعوى اتحاد شخصيتين تاريخيتين متشابهتين في الاسم تحتاج إلى إثبات، كما أن دعوى التفريق بينهما تحتاج بدورها إلى دراسة علمية. والباحث المنصف لا يبدأ من النتيجة ثم يبحث عما يؤيدها، وإنما يجمع الأدلة أولًا، ويعرض الروايات المختلفة، ويميز بين الثابت والمحتمل، ثم ينتهي إلى ما ترجحه القرائن.
كما أن من أهم قواعد التحقيق في الأنساب النظر في اضطراب الرواية؛ فإذا وجدت روايات متعارضة حول أصل شخص أو نسبه أو موطنه، وجب على الباحث أن يقارن بينها، وأن يبحث عن أقدمها وأوثقها، وأن ينظر في مدى اتصالها بالمصادر الأصلية. أما الروايات المتأخرة التي لا تستند إلى أصل مكتوب أو نقل معتبر، فلا ينبغي أن تُقدم على الوثائق الأقدم والأقرب إلى عصر الشخصية المدروسة.
وفي دراسة الأنساب البكرية والقرشية على وجه الخصوص، تبرز أهمية العودة إلى المصادر التاريخية والأنساب القديمة، وإلى ما حفظته خزائن الأسر والزوايا من وثائق، وإلى العلاقات الأسرية والمراسلات القديمة، وإلى شهادات العلماء والنسابين الذين عاصروا تلك البيوت أو نقلوا عنها. فهذه المادة مجتمعة يمكن أن تساعد في رسم صورة أكثر دقة لتاريخ الأسر وانتقالها واستقرارها وتشعب فروعها.
وليس من المنهج العلمي أن يُهدم تاريخ أسرة أو زاوية أو نسب لمجرد رواية متأخرة، كما لا يصح إثبات نسب لمجرد الشهرة أو التداول الشعبي. فالأنساب مجال يحتاج إلى التثبت والاحتياط، لأن الخطأ فيه قد يؤدي إلى خلط بين الأسر والبيوت، وإلى نسبة تاريخ رجل إلى غيره.
إن المنهج الصحيح في تحقيق الأنساب يقوم على قاعدة واضحة: النسب لا يثبت بالاسم وحده، ولا بالشهرة وحدها، ولا بالرواية المجردة، وإنما بمجموع الأدلة المتضافرة. ومن ثم فإن التفريق بين سيدي محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري الصديقي، وبين أبي يعزى يلنور المعروف بسيدي بوعزة، ينبغي أن يبقى موضوعًا للبحث العلمي القائم على الوثائق والمصادر والقرائن، بعيدًا عن التعصب أو الخصومة الشخصية.
والباحث المنصف في هذا الباب يجعل ولاءه للحقيقة قبل الأشخاص، ويعرض ما لديه من أدلة للنقد والمناقشة، ويقبل تصحيح ما يثبت خطؤه، كما يطالب في المقابل بأن تُناقش الدعاوى المخالفة بالوثيقة والحجة، لا بالشهرة أو الانطباع.
فالتاريخ لا يُكتب بالأهواء، والأنساب لا تُحفظ بالأماني، وإنما تصان بالنقد والتحقيق، ومقابلة الروايات، وتمييز المتشابهين، والتحقق من الوثائق، وإعطاء كل شخصية تاريخية حقها من البحث المستقل.
وإذا كان التشابه في الأسماء قد أوقع بعض الباحثين في الخلط بين الشخصيات، فإن واجب الباحث اليوم أن يصحح هذا الخلط بالمنهج العلمي، وأن يضع كل شخصية في سياقها الزمني والجغرافي والنَسَبي، حتى لا تختلط الأنساب، ولا تُنسب أخبار رجل إلى غيره، ولا يُبنى التاريخ على الظن.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
بقلم: النسابة المحقق د. مولاي إبراهيم جماني آل الأساوي البكري القرشي
مصادر
1. المخطوطات القديمة المحفوظة في خزائن الأسرة البكرية.
2. الوثائق العدلية المتعلقة بالأسرة الأساوية البكرية.
3. الظهائر السلطانية .
4. شجرات النسب القديمة .
5. وثائق زاوية آس
6. التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات التادلي.
7. دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر لابن عسكر.
8. سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس لمحمد بن جعفر الكتاني.
9. المعسول للمختار السوسي.
10. الجوهرة في نسب الشيخ محمد يعزى ويهدى الاساوي البكري واحفاده البررة
11. الدرر البهية في نسب السادة البكرية اهل محمود بن مبارك الاساو
12. قريش بين الماضي والحاضر
13. الصحيح في انساب ال الصديق

زر الذهاب إلى الأعلى