إعلام النظام السعودي والجنوب العربي: عندما يتحدث الشمالي نيابة عن الجنوبي

بقلم/ ناصر السيد سٌمًن
في واحدة من أكثر المفارقات الإعلامية فجاجة، تحولت قنوات النظام السعودي – وعلى رأسها العربية والحدث – إلى منصة دائمة لاستضافة نخب شمالية للحديث عن الجنوب العربي وقضيته ومستقبله، بينما يتم إقصاء الجنوبيين أنفسهم بشكل متعمد وممنهج من الظهور للحديث عن قضيتهم.
لسنا أمام خطأ مهني عابر أو خلل في اختيار الضيوف، بل أمام سياسة إعلامية مقصودة وواضحة المعالم.
. الوصاية الإعلامية:
شماليون يفتون في شأن جنوبي
عندما يناقش إعلام الرياض ملف الجنوب، المشهد يتكرر: يُستضاف محلل أو سياسي أو صحفي من صنعاء أو من تعز او من المحسوبين على منظومة الشمال، ليقدم تحليله حول ما يريده الجنوبيون، وما هو مستقبل المجلس الانتقالي، وما هو موقف الشارع في عدن وحضرموت.
يسأل المذيع: ماذا يجري في الجنوب؟
فيجيب الضيف الشمالي شارحاً نيات الجنوبيين، ومفسراً قضيتهم، ومحدداً لهم ما يجوز وما لا يجوز.
في هذه اللحظة يتم اختزال شعب كامل، بتاريخه ونضاله وتضحياته، في وجهة نظر خصمه السياسي التاريخي. يتم تقديم الجنوب كـ “ملف” يمني شمالي داخلي، وليس كقضية شعب وهوية ودولة تم إقصاؤها واحتلالها.
. الإقصاء ليس صدفة.. بل عقيدة
لماذا لا يُستضاف القيادات الجنوبية، والأكاديميون الجنوبيون، والصحفيون الجنوبيون، ونشطاء الحراك والمقاومة الذين يعيشون تفاصيل القضية كل يوم في عدن؟
الجواب بسيط: لأن صاحب القضية سيقول الحقيقة كما هي.
الجنوبي سيقول إن قضيته ليست “انفصالاً” بل استعادة دولة. سيقول إن الوحدة انتهت بحرب 94. سيقول إن الجنوب ليس ساحة نفوذ تتقاسمها قوى الشمال. سيقول إن شعب الجنوب قرر مصيره.
وهذا الخطاب لا يريده إعلام النظام السعودي. هذا النظام الذي يتعامل مع الجنوب كـ “حديقة خلفية أمنية” وورقة تفاوض مع الحوثي ومع الشمال، لا يريد صوتاً جنوبياً حراً يربك حساباته. يريد صوتاً شمالياً “معتدلاً” يقول إن الجنوبيين يجب أن يبقوا في إطار “الشرعية اليمنية” و”الوحدة” التي يتحكم بها هو.
إقصاء الجنوبي هو قرار سياسي بامتياز. هدفه نزع الشرعية التمثيلية عن الجنوبيين، وإظهارهم كأنهم غير قادرين على تمثيل أنفسهم، أو كأنهم فصيل مسلح فقط بلا مشروع سياسي.
. ازدواجية المعايير
إعلام النظام السعودي الذي يدعي الموضوعية، عندما يتحدث عن سوريا يستضيف سوريين، وعن لبنان يستضيف لبنانيين، وعن مصر يستضيف مصريين. إلا في حالة الجنوب العربي، يستضيف اليمني الشمالي للحديث عن الجنوبي.
لماذا؟ لأن الاعتراف بوجود صوت جنوبي مستقل يعني الاعتراف بوجود قضية جنوبية مستقلة، وهذا ينسف السردية التي بنى عليها النظام تدخله في اليمن: سردية “اليمن الواحد” الذي يمكن التحكم به عبر أدواته الشمالية التقليدية في صنعاء.
لقد جرب النظام السعودي لعقود حكم الجنوب عبر وكلاء شماليين، وعندما انتفض الجنوب واستعاد قراره، لجأ إلى السلاح الأخطر: الإعلام. سلاح يحاول أن يصادر الوعي، ويزور التمثيل.
. الرسالة الأخطر
ما يفعله إعلام الرياض اليوم هو أخطر من مجرد تجاهل. هو تطبيع لفكرة أن الجنوب بلا أهل. أن الجنوب أرض فارغة يمكن لأي محلل في فنادق الرياض واسطنبول أن يقرر مصيرها.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل جنوبي في عدن والمكلا والضالع وشبوة وسقطرى، هي أن زمن الوصاية انتهى. لا يمكن لقناة فضائية مهما بلغت ميزانيتها أن تلغي إرادة شعب قدم آلاف الشهداء من أجل استعادة دولته.
إن استمرار هذه السياسة الإقصائية لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: فقدان ما تبقى من مصداقية لهذا الإعلام لدى الشارع الجنوبي، وتعميق القناعة بأن النظام السعودي لا ينظر للجنوب كشريك، بل كملف أمني يجب تدجينه وإسكات صوته الحقيقي.
#عدن
22/أكتوبر/2026م