من يقرر الحليف الصادق إرادة شعب الجنوب وقيادته المفوضة منه أم النخب المستفيدة من تمويل الحليف؟

بقلم: د. أمين العلياني
الأحد 8 نوفمبر 2026م
ليست معضلة المشاريع الوطنية الطامحة إلى استعادة دولها في معرفة من يقف إلى جوارها فحسب، بل في القدرة على التمييز بين من يساند حقها في تقرير مصيرها، ومن يسعى إلى توظيف هذا الحق في خدمة حساباته ومصالحه الخاصة. ومن هنا فكم من علاقة رُفعت فيها شعارات الأخوة والشراكة والمصير المشترك، بينما كانت ممارساتها على الأرض تنتج واقعًا مغايرًا، تُضعَف فيه إرادة الشعوب، وتُحاصَر قياداتها، وتُعاد صياغة مشاريعها الوطنية وفق مقتضيات مصالح القوى الأكثر نفوذًا وتأثيرًا.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سائر الأسئلة في هذه المرحلة من مسيرة قضية شعب الجنوب ليس: من هو الحليف الصادق أو الحليف الأقوى؟ ولا من يمتلك المال والنفوذ والقدرة على التأثير في مسارات الأحداث؟ وإنما من يملك الحق في تحديد الحليف الصادق لمشروع الجنوب، وتقييم مواقفه، والحكم على حقيقة دعمه ومقدار انسجام سياساته مع تطلعات الشعب ومصالحه الوطنية؟ أهي إرادة الشعب الحرة، وقيادته التي اختارها لتكون معبِّرة عن مشروعه السياسي، أم نخب سياسية وإعلامية ومكونات تستمد نفوذها ومكانتها من علاقاتها وتمويلها الخارجي، وتجد في إرضاء الحليف ضمانًا لاستمرار حضورها ومكاسبها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد سجال سياسي حول طبيعة العلاقة مع هذه الدولة أو تلك، وإنما تتصل بجوهر السيادة الوطنية، وبالحدود الفاصلة بين التحالف والتبعية، وبين الشراكة والوصاية، وبين الدعم الذي يعزز قدرة المشروع الوطني على الانتصار، والدعم الذي يتحول، بفعل شروطه وأدواته، إلى وسيلة لإعادة تشكيله وإخضاع قراره أو إلى درجة يصل به الغرور والاستكبار إلى ضرب قواته.
ومن هنا فالحليف الصادق، في المفهوم السياسي والاستراتيجي، ليس هو الطرف الذي يقدم المال أو يفتح أبواب الدعم أو يكثر من التصريحات الدبلوماسية المؤيدة، وإنما هو الطرف الذي يحترم إرادة الشعب، ويتعامل مع تطلعاته بوصفها حقًا سياسيًا أصيلًا، ويقرّ بحقه في اختيار ممثليه وقيادته، ويسعى إلى بناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على اختلال موازين القوة وتحويل الحاجة إلى الدعم إلى مدخل لفرض الإرادات؛ لأن ليس كل من يقدم لك الدعم حليفًا لمشروعك، وليس كل من يعلن مساندتك شريكًا في تحقيق أهدافك؛ إذ قد تتقاطع مصالح الدول مع مصالح الشعوب في بعض الملفات، ثم تفترق عند اللحظة التي يصبح فيها استقلال القرار الوطني جزءًا من معادلة المصالح.
ومن هذا المنطلق، فإن معيار صدق الحليف لا يُستمد من حجم ما يقدمه من مساعدات، ولا من مقدار ما يمتلكه من نفوذ، بل من طبيعة النتائج التي تنتجها سياساته تجاه المشروع الوطني؛ فالحليف يعرف صدقه من خلال ما يدعم به ويعزز من مؤسسات الشعب، ويحمي مكتسباته، ويدعم قدراته، ويحترم قيادته، ويوسع مساحة استقلال قراره ولا يمكن أن يتحول الى وصي يضرب قواته ويعمل جاهدًا إلى تفكيك حواضنه وتماسكه الاجتماعي والوطني، فهو دعم ينسجم مع مفهوم الشراكة الاستراتيجية. أما إذا كان الحليف يعمل على إضعاف المؤسسات، وتفكيك القدرات، وإرباك المرجعيات السياسية، وفرض مسارات تتعارض مع التطلعات الشعبية ويصل به الأمر إلى ضرب قواتك واقصاء قياداتك، فإن من حق أصحاب المشروع أن يعيدوا تقييم طبيعة هذه العلاقة، مهما كانت عناوينها الدبلوماسية ومهما امتدت جذورها السياسية.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في قضية شعب الجنوب هو الخلط المتعمد أو غير الواعي بين حق الدول في حماية مصالحها الإقليمية، وحقها المزعوم في تحديد الخيارات السياسية للشعوب الأخرى. وعلى هذا فمن الطبيعي أن تسعى أي دولة إقليمية أو غيرها من القوى الإقليمية والدولية إلى حماية أمنها ومصالحها، وأن تبحث عن ترتيبات سياسية وأمنية تضمن استقرار المنطقة، وهذا حق مشروع في العلاقات الدولية ما دام يُمارَس في إطار احترام سيادة الأطراف الأخرى وحقوقها وقضاياها السياسية العادلة؛ لكن ما لا يمكن عدٌه حقًا مشروعًا هو أن تتحول المصالح الإقليمية إلى وصاية على الإرادة الشعبية، أو أن تصبح الشراكة الأمنية والسياسية مدخلًا لتحديد من يمثل شعب الجنوب، ومن يحق له التحدث باسمه، وما السقف الذي ينبغي أن يتوقف عنده مشروعه الوطني حتى تحت متطلبات أن يستخدم القوة ضدك وإضعاف مشروعك وشيطنة قيادتك المفوضة من اختيارك.
وعلى وفق هذا فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية ذات أهمية استراتيجية، ولا ملفًا أمنيًا يمكن اختزال مستقبله في تأمين الحدود والممرات البحرية ومواجهة التهديدات العسكرية، كما أن قضيته ليست وظيفة سياسية قابلة للتعديل بحسب تغير الأولويات الإقليمية، بل هي قضية شعب له تاريخ سياسي وكيان وطني وتطلعات معلنة في استعادة دولته المستقلة، وهي قضية ينبغي التعامل معها في جوهرها السياسي والحقوقي والوطني، لا من خلال توظيف موقعها الجغرافي أو حاجتها إلى الدعم في إنتاج ترتيبات تنتقص من مضمونها.
وهنا تبرز مسألة التمثيل السياسي بوصفها الاختبار الأكثر حساسية لصدق أي حليف؛ فمن حق الشعب أن يختار قيادته، ومن حق مكوناته أن تتعدد وتتباين رؤاها، ومن حق أي شخصية أو جماعة أن تنشئ إطارًا سياسيًا يعبر عن موقفها، لكن ليس من حق أي طرف خارجي أو إقليمي أن يحوّل نفوذه أو تمويله إلى أداة لصناعة تمثيل بديل، ثم يقدم ذلك التمثيل بوصفه التعبير الأصدق عن إرادة شعب لم يمنحه هذا التفويض أو يستخدم مسألة اضعافك ابتداءً من ضرب قواتك تحت مبررات الأمن القومي ويعمل على إقصاء قيادتك وشيطنة رمزيتها الوطنية وادوارها النضالية وأنت تعمل تحت تحالفه وتمويله؛ فالتعددية السياسية لا تُقاس بعدد المجالس التي تُنشأ، ولا بعدد الشخصيات التي تُستدعى إلى المؤتمرات، وإنما بمدى استقلال تلك الكيانات، وامتلاكها قاعدة اجتماعية حقيقية، وقدرتها على التعبير الحر عن مواقف شعبها في استعادة دولته بعد أن تحظى بتفويض وتأييد منه بعيدًا عن الإملاءات ومصالح الجهات الراعية.
ومن هنا، فإن السؤال عن شرعية المجالس التنسيقية والكيانات والمكونات المستحدثة لا ينبغي أن يُجاب عنه بمجرد تأييدها أو رفضها، ولا بمجرد قربها من هذه القيادة أو ابتعادها عنها؛ بل بمعيار استقلال قرارها، وحجم تمثيلها الفعلي، ومصدر تفويضها، ومدى تعبيرها عن إرادة الشعب؛ فإذا كانت إضافة حقيقية إلى التعددية الجنوبية، ورافدًا للتوافق الوطني، فإن وجودها يمكن أن يعزز المشروع ويمنحه اتساعًا سياسيًا واجتماعيًا، أما إذا تحولت إلى أدوات لإعادة هندسة المشهد السياسي، وتجاوز المرجعيات الجنوبية القائمة والمتمثلة في التفويض الشعبي والميثاق الجنوبي والبيان السياسي والاعلان الدستوري، وإضعاف القيادة التي تستند إلى تفويض شعبي، فإنها تصبح جزءًا من معادلة الصراع على التمثيل، لا وسيلة لمعالجة الاختلاف أو توحيد الصف.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال مسؤولية النخب السياسية والإعلامية التي تتصدر مشهد المشاركة في الحكومة أو المتماهية مع ما تدعيه حليفًا صادقًا، خصوصًا تلك التي تتشكل مواقفها وفق طبيعة علاقتها بالجهات الممولة أو الراعية؛ فالمشكلة ليست في التواصل مع الدول، ولا في الاستفادة من الدعم الخارجي، ولا في الدفاع عن سياسات حليف إقليمي حين تكون تلك السياسات متوافقة مع المصالح الوطنية؛ وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول المصلحة الخاصة إلى معيار للحكم على المواقف الوطنية، وعندما يصبح الدفاع عن خيارات الحليف مقدمًا على مساءلة سياساته، حتى لو ترتب عليها إضعاف المشروع الذي تزعم تلك النخب الانتماء إليه أو ضرب قواتها ومكتسباتها الوطنية وتفكيك حواضنها على أسس مناطقية وفئوية أو إدخال قولتك في جروب طائفية بعيدة عن ولاءها لمشروعها الوطني الذي تنتمي إليه ويجب أن تنتصر له على كل التقديرات الأخرى.
أما النخب السياسية التي تستمد قوتها من علاقتها بالخارج، بدلًا من استنادها إلى ثقة الشعب وتحترم إرادته وتفويضه، قد تجد نفسها مع الوقت أكثر حرصًا على إرضاء الجهة الممولة من حرصها على مصارحة الشعب بحقيقة المواقف والتحديات، وعندئذٍ يصبح التمويل، الذي يفترض أن يكون وسيلة لدعم العمل السياسي والإعلامي والتنموي، عاملًا مؤثرًا في توجيه الخطاب وتحديد الأولويات وصناعة المواقف، وتتحول بعض الأصوات من أدوات للتعبير عن الإرادة الوطنية إلى وسائط لتسويق الرؤية الخارجية، وتبرير التناقضات، وتجميل السياسات التي تستدعي النقد والمراجعة.
وليس من الموضوعية اتهام كل من يتلقى دعمًا خارجيًا بالتبعية، أو عدَّ كل من يختلف مع القيادة المفوضة فاقدًا للاستقلال؛ فذلك تعميم يضر بالحياة السياسية ويغلق أبواب الحوار، بل إن المعيار الحقيقي هو استقلال الموقف، وشفافية التمويل، ووضوح المصالح، وقدرة صاحب الرأي على ممارسة النقد حتى عندما يتعارض مع رغبات الجهة التي تدعمه وأن يحترم إرادة شعبه وحقه في اختيار من يريد ومن يمثله، فالنقد ليس خيانة، والاختلاف ليس خروجًا على المشروع، كما أن الولاء الوطني لا يُقاس بمدى التصفيق للقيادة أو الحليف، وإنما بمدى الالتزام بمصالح الشعب وحقوقه واحترام إرادته وخياراته في الاختيار من يمثله على وفق تطلعات مستقبله.
وفي المقابل، فإن القيادة المفوضة شعبيًا ليست معصومة من التقصير، ولا ينبغي أن تتحول شرعيتها التفويضية إلى حصانة تمنعها من مراجعة بعض المواقف؛ فالتفويض الشعبي مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا، والقيادة التي تطالب الخارج باحترام إرادة الشعب مطالبة، في الوقت نفسه، بأن تصون هذه الإرادة من الداخل، وأن توسع المشاركة السياسية، وتحترم التعددية، وتؤسس لمؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف، على وفق ميثاق وطني ملزم للجميع كما فعله المجلس الانتقالي الجنوبي وانضم إليه أكثر من 38 مكونًا وأن تجعل قراراتها خاضعة للمراجعة والتقييم لكي يعزز من موقعها وموقفها وحجتها أمام الخارج، ويجعل تمثيلها أكثر رسوخًا ومصداقية ولا يسمح لأي دولة كانت أن تجعل لها عملاء يصبحون أدعياء بالاختلاف داخل وفي بنية مشروع الشعب وتطلعاته بهدف حماية مكتسباته الوطنية.
أما فيما يتعلق بمكتسبات الجنوب وقواته ومؤسساته، فإن المسألة تتجاوز الخلاف حول الأشخاص والمواقع السياسية؛ لأنها تتصل بمستقبل القدرة الوطنية على حماية الشعب وصون الاستقرار؛ فليس من المقبول أن يتحول الدعم الإقليمي إلى وسيلة لإضعاف البنى التي تشكلت بتضحيات أبناء الجنوب، أو أن تُستخدم إعادة الهيكلة الإدارية والعسكرية غطاءً لتفريغ المؤسسات من استقلالها أو إخضاعها لاعتبارات الولاء السياسي كما حصل للمجلس الانتقالي في يناير 2026م تحت حجج واهية تقول الرياض أنها كانت لحماية أمنها القومي وهل هذا الأمن القومي كان يستلزم أن يصل إلى ضرب في الضالع أو إلى فكفكت الحواضن الاجتماعية وتجريد القوات الجنوبية من ولاءها الوطني الجنوبي، ناهيك عن إقصاء قيادة المجلس من الرئاسي وشيطنة رمزيتها الوطنية وأدوارها النضالية واتهام مشروع الشعب بالصهينة الإسرائيلية.
ومن هنا فالجنوب الذي يريد استعادة دولته لا يحتاج إلى حلفاء يصفقون لخطابه ثم يضعفون مقومات قوته، ولا إلى نخب تتنافس على إرضاء الجهات الراعية، ولا إلى مجالس تتكاثر في المشهد بينما تتراجع الثقة بين الشعب ومؤسساته، بل إن الشعب ومشروعه السياسي يحتاج إلى علاقات إقليمية ودولية متوازنة، وإلى قيادة سياسية تمتلك رؤية واضحة لإدارة التحالفات، وإلى جبهة وطنية متماسكة تتسع للتعدد دون أن تفقد وحدة الهدف، وإلى مؤسسات تحظى بثقة الشعب وتحترم إرادته الحرة في التفويض والإختيار وتكون قادرة على تحويل التطلعات السياسية إلى مشروع دولة قابل للحياة والاستقرار.
كما أن على القوى الإقليمية أن تدرك أن الجنوب المستقر، الذي يمتلك قيادة مفوضة موحدة ومؤسسات شرعية وقدرات أمنية ودفاعية مهنية، وشراكة سياسية حقيقية، سيكون أكثر قدرة على الإسهام في حماية الأمن الإقليمي والممرات البحرية ومواجهة التهديدات المشتركة من جنوب تُدار تناقضاته عبر تعدد مراكز النفوذ وتضارب الولاءات؛ فإضعاف الشريك القوي والمفروض من الشعب لا يصنع استقرارًا مستدامًا، وصناعة التمثيل السياسي لا تنتج شرعية، وإبقاء القضايا الوطنية معلقة لا يضمن مصالح الدول على المدى البعيد.
وليس من الحكمة أن يُطلب من شعب الجنوب أن يضع ثقته في تحالفات لا تتضح حدود التزاماتها، أو أن يتنازل عن حقه في تقرير مستقبله أو يتخلى عن قيادته التي فرضها بإرادته الحرة مقابل وعود مفتوحة، أو أن يقبل بمسارات سياسية تُختزل فيها قضيته في تسويات تتعلق بأطراف أخرى فحق تقرير المصير لا ينبغي أن يكون ورقة مؤجلة إلى ما لا نهاية، ولا يجوز أن يصبح مستقبل الجنوب رهينة لمعادلات الصراع بين القوى الإقليمية وخلافات القوى اليمنية المحتلة والمختلفة على السلطة أو لتفاهمات تتغير بتغير الظروف والمصالح.
ومن الناحية القانونية، فإن ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية والتعاون بين الدول الصادر بقرار الجمعية العامة رقم 2625 لعام 1970، يقدمان أساسًا مهمًا للتأكيد على حرية الشعوب في تحديد وضعها السياسي دون تدخل خارجي. وهذا لا يعني أن كل مشروع سياسي يكتسب تلقائيًا صفة الدولة المستقلة، أو أن الاعتراف الدولي يتحقق بمجرد إعلان المطالبة به، لكنه يعني أن إرادة الشعوب وحقوقها السياسية لا يجوز أن تُختزل في رغبات القوى الأكثر نفوذًا، وأن بناء العلاقات الدولية السليمة ينبغي أن يستند إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشروعة.
إن اللحظة الراهنة تفرض على نخب الجنوب المتماهية مع مسارات تفرضها الرياض كي تخلق تشظيًّا في وحدة الصف الجنوبي وتهدف إلى تزوير إرادة الشعب أن تراجع تقديراتها لمفهوم الحليف الصادق، والانتقال من ثقافة البحث عن راعٍ إلى ثقافة بناء شريك، ومن انتظار الدعم إلى امتلاك مقومات القوة الذاتية، ومن التنافس على رضا الأقليم إلى التنافس في خدمة الشعب وكسب ثقته؛ فالحليف الصادق هو الذي يحترم إرادتك لا يخشى استقلال قرارك، والشريك الذي يؤمن بمصالحك لا يرى في امتلاكك مؤسسات قوية تهديدًا له ولأمنه القومي، والدولة التي تريد استقرارًا حقيقيًا لا تحتاج إلى إضعاف إرادة شعبك واقصاء قيادتك المفوضة التي كانت تتعامل معها بوضوح وحاولت الى إرباك تمثيلها السياسي واقصائها دورها القيادي وحضورها السياسي ليس لشيء وأنما لأنها تحظى بتفويض شعبي منقطع النظير.
وفي نهاية المطاف، فإن تحديد الحليف الصادق ليس امتيازًا تمنحه النخب لنفسها، ولا حكرًا على الشخصيات التي تحظى برضا الجهات الممولة، ولا قرارًا تنفرد به العواصم الإقليمية وفق حساباتها الخاصة، بل هو تقدير وطني يستند أولًا إلى إرادة الشعب ومصالحه واحترام إرادته وحقه المشروع في اختيار من يمثله، وتتولى قيادته المفوضة ترجمته إلى مواقف وسياسات وعلاقات، في إطار من المساءلة والشفافية والتوافق المجتمعي؛ فالشعب هو صاحب القضية، والقيادة المفوضة منه مسؤولة عن التعبير عنها، والحليف طرف في علاقة شراكة لا صاحب ولاية على القرار الوطني.
والجنوب اليوم لا يحتاج إلى حليف يختار له من يمثله، ولا إلى ممولين يحددون له سقف تطلعاته، ولا إلى نخب ترى في استمرار علاقتها بالخارج ضمانًا لمكانتها على حساب مصالح شعبها، بل يحتاج إلى حليف يحترم من اختاره الشعب، ويصون ما أنجزته تضحيات أبنائه، ويساعده على بناء مؤسساته، ويعترف بحقه في تقرير مستقبله، ويقبل أن تكون العلاقة معه شراكة بين إرادتين مستقلتين، لا علاقة بين صاحب قرار وطرف مطلوب منه الامتثال.
ومن هنا فالحليف الذي يريد للجنوب أن ينتصر هو الذي يساعد شعبه على امتلاك قراره، لا الذي يشترط عليه التنازل عن قراره ثمنًا لاستمرار دعمه. أما من يريد أن يختار للشعب قيادته، ويصنع له ممثليه، ويحدد له مشروعه، ويعيد تشكيل مكتسباته وفق مصالحه، فليس من حقه أن يطالب بوصف الحليف الصادق لمجرد أنه يمتلك المال والنفوذ؛ لأن صدق التحالف لا يُقاس بما تمنحه يد الممول، وإنما بما تصونه إرادة الشريك.
وعلى وفق هذا فالجنوب ليس مشروعًا للاستثمار في ولاءات النخب، ولا قضية قابلة للتدوير بين عواصم النفوذ، ولا إرادة شعبية معروضة لإعادة التشكيل؛ بل الجنوب مشروع شعب يتطلع إلى استعادة دولته، ومن حقه أن يختار حلفاءه كما يختار ممثليه، وأن يقيس صدق الشراكة بمدى احترامها لحريته وكرامته وحقه في تقرير مصيره.