مقالات وآراء

المصالح تحكم لا المبادئ وافغانستان أنموذجا.

 

كتب: منصور الصبيحي.

ومن قديم معرفة الإنسان بتصريف شؤون الحكم بطرق أكثر نظامية، فما من أمّة من الأمم إلا وتمثّل السياسة لها وجهين متناقضين واحد ظاهر للعوام يعكس منظومة المبادئ والقيم بصيغها الفكرية المستمّدة من الإدلوجيات السائدة لديها، والثاني يُمارس في الباطن ويتمثّل في المصالح المشتركة والتي تبنى على أساس المنفعة المتبادلة مع تراتبية هرم سلطة الدولة، وهي لا تُكشف ولايتفشى سرّها إلا في نطاقٍ محدود.

وأفغانستان نموذجا يوفّر عناء البحث عن اي دلائل تشير لذلك، ففي انحناء الولايات المتحدة الامريكية بالأنسحاب وترك المجال مفتوح لعدوٍ خاضت معه على مدى عشرين عام حرباً ضروس، كلفتها ما يقارب الترليونين دولار، ناهيك عن الخسائر البشرية والمعنوية، ولتغادر أخيراً ودون ما تربح سوى ملفات سيئة في حقوق الإنسان. وبظاهر الفعل وقد أختزل موقفها للعالم بأمرين اثنين وهما: العجز عن تأمين البلد اقتصادياً وعسكرياً، وثانياً رفض نسبة عالية من الافغان لطرف اجنبي يقيم على أرضهم بصورة احتلال.

ومن باب التعاطي مع الحدث ولو حسب على هيئته للعيان، وما انتهى إليه الامريكان من حرج سياسي، وبالتراجع إزاء وصاية دامت عقدين من الزمان، تخللها الكثير من اللغط والشد والجذب، وبلا شك كلها تحوّلت تصب في صالح حركة طالبان، وقد أستجمعت قواها في لحظة غامرة مزهوّة بالنصر تُسقط مدن تلوها المدن، ودون ما إراقة دماء تتناسب مع الحدث نفسه، في موقف أشبه مايكون بفيلم دعائي قصير، هذا ومن بعد ما كانت مصنّفة كمنظمة إرهابية وذلك على خلفيّة إحتضانها للقاعدة بقيادة أسامة أبن لادن، لتعود صاحبة المبادرة من جديد، إذ تتسابق بلدان تعرض في مساعدتها؛ بل هناك من ذهب ابعد من ذلك مبدياً استعداده بفتح سفاراته بغية مبادلته بالمثل.

فما السر منن وراء ذلك ومن الانسحاب المفاجئ والغير تكتيكي مما أدى لترك ترسانة عسكرية بأسلحة نوعية لحركة توصف بالإرهابية؟ فمن باب التكهّن والقراءة السياسية، قد لا تعطي إلا مؤشراً واحد وهو: جرى عن تفاهمات مسبقة تمّت بين الجانبين، وبأشرف طرف ثالث التزمت الحركة من خلاله وبمقابل إخلاء سبيل البلاد والعاصمة لها، برعاية مصالح الامريكان وحلفائهم في المنطفة والعالم، ويعتبر ما خلّف من عتاد بمثابة مساعدات يقدمها الضيف الثقيل لها؛ ولا سيّما أن الذي ينتظرها على خارطة البلاد المترامية الأطراف بتضاريسها الوعرة مصاعب جم وهي بحاجه ماسّة لقدرات عسكرية هائلة، تمكّنها من ردع خصومها وإلزامهم بالتكيف مع الواقع الجديد.

وهذا ما يدلل بأن الهيمنة المباشرة على الشعوب قد ولّت وأصبحت من عداد الماضي، وثمّت اليوم أخرى اكثر نجاعة وقابلية منها، وما احتلال افغانستان على إثر الضربة التي تعرض لها مبنى التجارة العالمي والمعروف (بهجوم الحادي عشر من سبتمبر) سوى عمل وسلوك يتنافى مع الفلسفة الجديدة التي تقوم بالسيطرة على البلدان عن طريق الداخل، وما ذاك الذي جرى، إلا يعد أجباراً للامريكان على تجشّم حربها على مضض، وبسبب إن العدو الذي يقابلهم يومها كان مغلق الأبواب على نفسه لا يفقه للسياسة من شيئ، ولا يعترف حينها بالمصالح وبالخطوط الحمراء، إلا من باب الحلال والحرام، التي مرجعيتها أنذاك عنده في الأول والأخير هي السماء.

لكن ومن بعد عشرون عام من التموضع، فطالبان اليوم لم تعد هي نفس طالبان الأمس، فقد تغيّرت كثيراً وللترغيب والضغط والدس الخارجي تأثيراً كبيراً في ترويضها وثنيها عن ممارسة سلوكياتها، وبه استطاع أولئك أن يقسّم أتباعها إلى قسمين: واحد لا زال يحن إلى الماضي متمسّكاً بالمبادئ وبالقيم التي رفعتها الحركة عند التأسيس وسارت عليها كنهج، وآخر غدى يهوى الانفتاح على العالم، ولا يرى من عيب في الاعتدال ما دام أن ذلك يجنب الضرر ولا يتعارض مع مصالح البلد.

وإن كان الأول يمتلك قدرات حسم على الأرض، فالأخير يتمع بالكرازمية وبالنفوذ السياسي ولديه من الدعم الوجستي والمالي ما لديه، وهو لا يرغب تكرار أخطاء الماضي ويفضّل إيجاد حكم معتدل يتّفق نوعاً ما مع متطلبات العصر والانفتاح، وبهذا يلقى مساندة من اطراف دولية بما فيها الامريكان أنفسهم تقدّم له بعيداً عن الأضواء، ولا يستبعد أن يكون قد دُرّب كثير من أعضاءه في مراحل سابقة على إدارات أمور عدة منها عسكرية ومنها مدنية.

وللمتابع فطالبان لم تبرز من بعد الانسحاب التاريخي للامريكان بالوجه القبيح والمظلم كما كان متوقع منها أن تتمثله بالانتقام من خصومها، بل هي أصبحت تتجنب الافعال العنيغة، مرحّبة بالحوار مع جميع الطيف السياسي بالأخص مناوئيها السابقين، وهذا ما يؤكد بأنها مقيّدة بالتزامات وبمسارات يجب أن تسلكها. وما الابقاء لديها على الشعارات التقليدية المعروفة بتشددها، سوى عامل كسب وجذب إعلامي ليس إلا، وإن لزم تطبيق رمزيتها في الوقت الراهن يكون في حدوده الضيقة، وهذا هو أساساً المعمول به عند كل مبتدئ يسعى للحكم وتقوية نفوذه.

زر الذهاب إلى الأعلى