قصة الزاجل للفتيان

قصة وتأليف : عيشة صالح محمد
نزل سهيل من سطح البيت جريا، يتخطى الدرجتين والثلاث، دلف على أمه المجلس، وكان بيدها إبرة الصوف، تهم بلف أول ثنية لمفرش ..
– يا أمه … يا أمه … كارثة!
– كفى الله الشر، أنت دائما كذا تفجعني، أيش في؟.
– سهام اختفت!
– يا رب سترك .. أيش فيك يا ابني، تروح مطرح ما تروح. بترجع لوحدها؟
– لا … لا يا أمه، مختفية من العشة، كل الحمام موجود إلا هي.
تبدأ أم سهيل بأول غرزة صوف، ثم تتنهد.
– أنت بتموتني ناقصة عمر، إيش أسويلها الحمامة، يمكن خرجت وبترجع لحالها زي كل مرة.
– لا يامه، أنت مش عارفة الموضوع، أنا محتجز سهام من أمس في العشة؛ لأنه بكرة يبدأ سباق الحمام الزاجل وحمامتي مشاركة.
تطلق أم سهيل تنهيدة أخرى.
– يا ابني خذ بالك من دراستك وخليك من الحمام، شاغل نفسك فيهم وأنت عندك اختبارات في المدرسة.
– لا تخافي علي، أول ما يخلص السباق، أوعدك ما أرفع رأسي من الكتب.
نظرت إليه أمه دون كلام، ثم واصلت غزل الصوف، فجلس على الأرض مواجها لها، وهي على المجلس، وبجانبها كرات الصوف.
– تدري يا أمه أنا هذه المرة داخل السباق علشانك.
– هااا … قلت علشاني، وإيش بستفيد لما حمامتك سهام تسبق بقية الحمام؟ بعد التعب تروِّح لي بورقة، وكيس دخن يأكلوه الحمام.
– دي المرة غير كل مرة، تفاءلي يا أمه، بسدد لك كل الديون وباشتري لك كمان خاتم ذهب بدل الذي بعتيه.
ابتسم وبدت لمعة في عينيه.
– خمسمائة ألف ريال للفائز الأول يا أمه.
– بالله؟ … خمسمائة ألف بيعطوك لو فازت حمامتك.
– إيه والله…
سكت قليلا، ثم قام كالملسوع منتفضا، يهرع نحو الباب.
– الآن لازم أعرف الحمامة فين راحت، هي أملي الوحيد.
توجه سهيل نحو بيت يوسف صديقه الذي يسكن في نفس الحي، ووجده أمام باب داره.
– يوسف … ما شفت حمامتي؟
– حمامك كله طاير مع حمامنا، ما تشوفه قدامك.
– بس حمامتي الزاجل ما خليتها تطير، محتجزها في عشة لحالها، وقبل قليل لاقيت عشتها مفتوحة، كيف خرجت؟
– تذكر يمكن نسيت باب العشة مفتوح.
– متأكد أني قفلته، أنا شاكك بناصر، لا يكون فعل شيء بحمامتي، هو الوحيد غيران ليش حمامتي تسبق في كل مرة، شاكك إنه طلع السطح وأخذها.
– لا تسيء الظن، نحن جيران وما بيننا كذا.
– تذكر يوم مسؤول السباق مدح حمامتي وسماها سهام، وناصر قال خلاص راحت عليها سهام، وقال إنه المرة ذي ما بيفوز إلا وحدة من حقه الحمام الزاجل.
– لا تأخذ على ذا الكلام يا سهيل، هو قالها لأنه يطمح بالفوز.
– تعال نروح عنده، أنا مصمم أفتش عشته.
ذهب سهيل ويوسف إلى بيت ناصر، طرق سهيل الباب فخرج ناصر للخارج.
– ناصر .. طلعني أشوف عشتك لو سمحت.
– وإيش تشتي من عشتي؟
– مضيع حمامتي سهام، يمكن تكون دخلت في عشتك.
– روح دور على حمامتك بعيد، الحمام كله طائر في السماء.
– يعني ما بتخليني أطلع، سمعت يا يوسف، باحلف إن حمامتي عنده وهو الذي مخبيها.
– احترم نفسك يا سهيل، أنا مش سارق حمام، وحمامي أكثر من حمامك، والزاجل عندي منه عشر، مش بحاجة حمامتك.
– لكن ما عندك مثل سهام.
حين احتدم النقاش بين سهيل وناصر، تدخل يوسف قائلا :
– اهدؤوا يا شباب، مش علشان حمام تخسروا بعض.
– قول له يخليني حالا أطلع السطح، وأنا بصدق إنه حمامتي مش عنده.
أقنع يوسف ناصر بطلوع سطح منزله، وعندما فتح ناصر العشة ظهرت حمامة سهيل سهام.
– هاا شفت، مش قلت لك يا يوسف.
– ما توقعتك تعمل كذا يا ناصر
– اسكت أنت وهو، هي شكلها دخلت من نفسها، وانتوا مربيين حمام وتعرفوا إنه الحمام يدخل عشش غيره.
رد عليه سهيل بنبرة ساخرة.
– أيوة .. بس ما يدخلوا عشش غيرهم ويقفلوا الباب وراهم.
أخذ سهيل الحمامة وعاد بها إلى عشتها، ووضع لها مجموع الحبوب المغذي، (الذرة الصفراء، الذرة البيضاء، الذرة الحمراء، البر، البازلياء ،الدخن، القرطم)، جلس قليلا ينظر إليها، ثم أقفل عليها، ونزل.
في مساء اليوم التالي، بدأت إجراءات سباق الحمام الزاجل، وأحضر كل متسابق حمامة إلى موقع تجميع الحمام، لترتيبها في أقفاص؛ استعدادا لنقلها من عدن إلى حضرموت، كان كل متسابق يحضر عددا من الحمام، إلا سهيل أحضر حمامته سهام التي لا يملك سواها من نوع الزاجل، وهي حمامة باللون الرمادي الفاتح، مرقشة بالأسود والرمادي الغامق، وحول عنقها طوق أسود، وبعد أن تم تسجيل جميع المتسابقين واستلام الحمام، انطلقت بها اللجنة المنظمة إلى حضرموت، وبقي ملاك الحمام في عدن، وبعد خمس ساعات، وصلت السيارات الحاملة لأقفاص الحمام إلى موقع إطلاق الحمام في حضرموت، وأبقوها تلك الليلة هناك إلى موعد بدء السباق في الساعة الخامسة والنصف صباحا، وقبل إطلاقها وضعوا في رجل، كل حمامة لاصق يحمل رقما سريا، لا يعلم به سوى اللجنة المنظمة، وفي نفس اللحظة فتحت الأقفاص وطار الحمام يحلق في الجو بحركة دائرية، ثم انطلق بعيدا نحو عدن.
دخل سهيل المطبخ وأمه، واقفة تقلب المطفاية على نار هادئة ( سمك مقلي مع الفلفل الأحمر والبهارات).
– ادعي يا أمه إن حمامتنا تفوز، دعائك مستجاب.
– يا رب توصل بالسلامة، أول وحدة.
ثم تضع الملعقة، وترفع يدها للأعلى.
– أكرم ابني يا رب واجبر بخاطره، وحقق له مناه.
في الساعة العاشرة صعد سهيل إلى السطح، لانتظار وصول حمامته، ومن المتوقع أن يصل الحمام إلى عدن في غضون سبع ساعات، ولكن انقضت السبع ساعات ولم تصل حمامة سهيل بعد، شعر سهيل بالقلق، فقام بالاتصال بيوسف.
– يوسف لم تصل حمامتي، هل وصل حمامك؟
– لا لم يصل لا حمامي ولا أي حمام أخر.
– حقا؟ أمر عجيب.
– ربما بسبب ظروف الطقس، سمعت أن رياحا هبت فجأة من الجهة الشرقية.
– يا الله .. لقد زاد توتري بهذا الخبر.
ظل سهيل يحدق بالسماء تارة، وينظر إلى ساعته تارة أخرى، إلى أن ارتفع أذان العصر، وبينما هو على حالته، لمح شيئا يطير قادما من بعيد، تمنى أن تكون سهام قادمة، فكان ما تمناه، اقتربت وحطت على جدار السطح، ثم ولجت العشة، ولما اقترب منها سهيل، لمح دما قرب منقارها، فآلمه ذلك، وشعر بغصة في حلقه “يبدو أنك عانيت كثيرا في الطريق، ترى ما حل بك يا حمامتي، كيف جُرحت” كان يتحدث مع الحمامة وهو يحل اللاصق من رجلها، وعلى الفور أرسل الرقم المكتوب فيه إلى اللجنة، وبهذا سُجل وصول حمامته على الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة.
لم يكن سهيل مبتهجا، بتوقيت وصول الحمامة سهام، فقد تأخرت كثيرا، قام بعلاج جرحها، وتقديم الحبوب والماء لها، وتركها ترتاح في عشتها ونزل يتحدث مع أمه.
– إيش الأخبار يا سهيل، فين عاد راحت سهام.
– وصلت يا أمي، ولكنها تأخرت أكثر من أربع ساعات. ( قالها بحزن)
– خير يا ابني خير، لا تزعل نفسك.
في هذه الأثناء رن هاتف سهيل، وكان المتصل يوسف.
– هااا … بشر وصلت حمامتك.
– إي وصلت … وحمامك؟
– يا أخي مالهم ربع ساعة على وصولهم، كنت قد فقدت الأمل.
– إيش تقول؟ يعني حمامك لسى واصلين؟ وأنا كنت أحسب حمامتي آخر وحدة توصل.
– بكرة نجتمع في النادي ونشوف إعلان الفائزين.
في اليوم التالي صباحا، حضر جميع ملاك الحمام المتسابقين، وعند إعلان اللجنة المنظمة للفائز الأول، ذُهل سهيل من ذكر اسمه، فقد كان أول تسجيل وصول للحمام في الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة، وهو وقت وصول حمامة سهيل، سهام.
عاد سهيل إلى البيت جذلا، يحمل درع الفوز، وشهادة تقدير، وخمسمائة ألف ريال، وضعها جميعا أمام أمه.
– ما شاء الله، الله يبارك.
قالتها أم سهيل ثم نحَّت الدرع والورقة جانبا، وأخذت المال بين يديها، وتنهدت تنهيدة راحة وقالت :
“والله وعملتها الحمامة”.