سر القبعة المخروطية.. لماذا حولتها هوليوود إلى ماركة مسجلة لساحرات السينما؟

كريترنيوز/ متابعات /رشا عبد المنعم
خلف سواد القماش وشموخ التصميم، يختبئ سرٌ عمره آلاف السنين؛ لغزٌ لطالما أثار حيرة عشاق السينما وأشعل فتيل البحث مع عرض الملحمة الختامية للفيلم العالمي “ويكيد: للأبد” (Wicked: For Good) في عام 2026. تعود القبعة المخروطية لتتصدر المشهد، لا كزيٍ تنكري، بل كشاهدٍ صامت على رحلة دموية بدأت من تيجان الذهب في العصور البرونزية وصولاً إلى منصات الإذلال في محاكم التفتيش عام 1478.
إنها القصة المنسية لـ “تاج المعرفة” الذي سُرق من رؤوس الحكماء، ليُلقى به في زوايا العار، قبل أن تقرر هوليوود إعادة صياغة التاريخ وتتويج “إلفابا” به فوق سماء “أوز”.
تؤكد النصوص التاريخية المترجمة أن القبعة لم تكن مجرد خيال أوروبي حديث؛ ففي عام 1978، فجّر علماء الآثار مفاجأة باكتشاف مومياوات في الصين عُرفن باسم “ساحرات سوبيشي” يعود تاريخهن للقرن الرابع قبل الميلاد.
المثير للصدمة أن المومياوات وُجدن يرتدين قبعات مخروطية سوداء شاهقة الطول (تصل لـ 60 سم) مصنوعة للباد الصوفي الأسود.
هذا الاكتشاف أثبت أن القبعة كانت زياً حقيقياً لنساء يمارسن الطب الشعبي والطقوس الروحانية في آسيا الوسطى منذ آلاف السنين، مما يمنح قبعة “إلفابا” عمقاً أنثروبولوجياً واقعياً يتجاوز حدود الخيال السينمائي.
لم تكن القبعة المخروطية حاضرة في بدايات السينما الصامتة كما نظن، بل كانت الساحرات يظهرن غالباً بشعر منكوش. يعود الارتباط الوثيق والواضح للقبعة المدببة بالسحر إلى أوائل القرن العشرين؛ حيث ظهرت بشكل بدائي في الأفلام القصيرة الصامتة عام 1910.
ومع ذلك، تظل نقطة التحول الكبرى هي فيلم “ساحر أوز” (The Wizard of Oz) عام 1939، القبعة السوداء الشاهقة التي ارتدتها “مارغريت هاميلتون” صُممت خصيصاً لتكون حادة ومخيفة، ومنذ تلك اللحظة، اعتمدت هوليوود هذا التصميم كـ “هوية رسمية” للسحر في الأفلام العالمية.
أسرار هندسية
هناك رابط تاريخي مذهل يجمع بين “قبعة الساحرة” وما كان يُعرف بـ “قبعة الغباء” (Dunce Cap). في القرن السادس عشر، كان العلماء يرتدون القبعات المخروطية اعتقاداً منهم أنها “قمع مقلوب” يجمع الذكاء ويركزه في الجبهة (نقطة العين الثالثة).
لكن مع تغير الأيديولوجيات، حوّل المجتمع الجاهل هذا الرمز إلى وسيلة للسخرية، فصار الطالب الفاشل يُجبر على ارتدائها لإذلاله.
هوليوود دمجت هاتين الفكرتين بعبقرية؛ فالساحرة في السينما هي امرأة “ذكية ومعرفية” لدرجة تخيف المجتمع، مما دفعهم لوصم قبعتها بالشر والغباء تارة، وبالسحر الأسود تارة أخرى، خوفاً من قوة عقلها المستقل.
توضح المصادر التاريخية المترجمة أن اللون الأسود للقبعة لم يكن خياراً درامياً في البداية، بل “تقنياً” بحتاً. ففي القرن السابع عشر، كانت المنشورات التي تحذر من الساحرات تُطبع بتقنية “الطباعة الخشبية” الرخيصة، والتي لم تكن تسمح بتفاصيل دقيقة، فكان الرسامون يملأون القبعات باللون الأسود الكامل لتسهيل عملية الطباعة.
هوليوود ورثت هذه الضرورة التقنية وحولتها إلى رمزية للشر وعالم الليل والموت، مما جعل السواد هوية بصرية لا يمكن فصلها عن الساحرة في الإنتاجات الضخمة، محولةً “حبر الطباعة الرخيص” إلى أيقونة للرعب العالمي.
ثنائية ويكيد
انقسمت ملحمة “ويكيد” السينمائية إلى جزئين أبهروا العالم بضخامة الإنتاج وعمق القصة، انطلق الجزء الأول في نوفمبر 2024 ليؤسس لبداية الصداقة المعقدة بين “إلفابا” و”غليندا”، محققاً نجاحاً نقدياً وتجارياً ساحقاً. ث
م جاءت الذروة مع الجزء الثاني والختامي بعنوان “ويكيد: للأبد” (Wicked: For Good) الذي عُرض في أواخر عام 2025 وامتدت نجاحاته المليارية لعام 2026.
هذا التقسيم سمح للمخرج “جون إم. تشو” بتقديم تفاصيل بصرية وفلسفية غير مسبوقة، جعلت من السلسلة واحدة من أنجح الأفلام الموسيقية والخيالية في تاريخ السينما المعاصرة.
لم يتوقف طموح “ويكيد” عند حدود الشاشة، بل ترجم هذا النجاح إلى أرقام فلكية في شباك التذاكر العالمي.
بحلول عام 2026، تمكنت السلسلة في جزئيها من كسر كافة التوقعات، حيث تجاوزت الإيرادات الإجمالية حاجز 1.2 مليار دولار.
هذا النجاح الاقتصادي الكاسح لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة لإعادة إحياء رموز كلاسيكية مثل “القبعة المخروطية” وتقديمها برؤية عصرية مست شعور الجمهور العالمي بالرغبة في التمكين والعدالة، مما جعل الفيلم يتصدر القوائم كأعلى الأفلام إيراداً في فئته.
ثورة التصميم
المصمم العالمي “بول تازويل” هو العقل المدبر وراء الشكل الأيقوني الجديد للقبعة. تازويل لم يرِدها قبعة تقليدية، بل استلهم شكلها الحلزوني من “الجيولوجيا” وصخور الأرض والأعاصير، لتبدو وكأنها قطعة من الطبيعة نمت عضوياً من رأس “إلفابا”.
استخدم تازويل تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد بتمويل ضخم لإنشاء قبعة تتفاعل مع مشاعر الشخصية؛ فعند الغضب أو الطيران، تظهر انحناءات القبعة بشكل أكثر حدة وتغير من ظلالها وتجاعيدها باستخدام “أقمشة ذكية”، مما يعطي إيحاءً بأنها “كائن حي” مرتبط بالجهاز العصبي للساحرة.
بعيداً عن الإطار السينمائي، هناك بعد فلسفي وروحاني عميق للشكل المخروطي؛ حيث يُنظر إليه كأداة “هندسية” صُممت لتعمل كجهاز استقبال يركز الطاقة الكونية من الفضاء مباشرة نحو عقل المرتدي لتعزيز الحدس. ه
وليوود في فيلم “ويكيد” استلهمت هذا المفهوم، حيث نلاحظ أن قبعة “إلفابا” تمنحها حضوراً ذهنياً طاغياً، وكأن القبعة هي التي تمنحها القدرة على “تحدي الجاذبية” من خلال تركيز إرادتها السحرية وتحويلها إلى قوة مادية قادرة على تغيير مسار الأحداث في عالم أوز.
إن القبعة المخروطية في السينما هي مرآة للتحولات البشرية؛ فعندما كان العالم يقدس العلم كانت تيجاناً، وعندما سيطر الخوف أصبحت علامة عار، واليوم في 2026 بفضل فيلم “ويكيد”، عادت لتكون رمزاً للقوة النفسية.
لقد علمتنا هوليوود أخيراً أن “القمة” التي يخشاها الناس هي القمة التي يجب أن نعتليها بكل فخر. القبعة المدببة ليست للسحر، بل هي لأولئك الذين يملكون الشجاعة ليكونوا “مختلفين” فوق الجميع، محولين “وصمة الماضي” إلى “تاج المستقبل”.