آداب وفنون

الأشعار اليومية.. رؤية جديدة أم نصوص مستهلكة؟

شعراء عديدون يؤكدون أن الإكثار ينعكس سلباً على ثراء المحتوى

كريترنيوز /متابعات /السيد رمضان

موقفٌ عابر يقتحم مخيِّلة شاعر، فيصنع صورة تملأ وجدانه وتستحوذ على حواسِّه، ليجد نفسه رهين تلك الحالة الإنسانية التي تُنطقه أعذب الأبيات، وتدعه وقد فاضت قريحته بمشاعر لا حصر لها، يختزلها جميعاً في قصيدة محكمة السَّبْك، أو مقطوعة رشيقة الإيقاع.

 

هذا التسلسل المنطقي في إبداع النصوص الشعرية، الذي أنتج تراثاً من الدواوين التي تحفل بها المكتبة العربية، ربما اتخذ مساراً مغايراً، أو تأثر برؤى فكرية جديدة في عصرنا الراهن، فظهرت تجارب مختلفة، تحاول أن تصنع من الشعر عملاً يومياً مستمراً، وتسعى لإبداع النص، غير منتظرة الموقف الإنساني الذي يسبق وجوده.

ومع انبثاق طفرة التواصل الاجتماعي، اكتظت المنصات بأشعار لم يتأنَّ أصحابها في اختمار أفكارها الفنية، ولم يذوقوا عذاب الصبر حتى تولد أعمالهم ناضجة مكتملة، بل شرعوا في التأصيل لهذا التصوُّر الجديد، الذي يريد من القصائد أن تغدو مذكرات يومية.

وأوضح الشاعر الإماراتي محمد عبد الله البريكي مدير بيت الشعر بالشارقة، في تصريح لـ «البيان»، أنه يمكن للشاعر المتمكن أن يكتب أبياتاً من باب اللياقة الشعرية والذهنية، لكن ليس كل ما يُكتب ينشر، محذراً من كثرة الكتابة التي تؤدي إلى الاستسهال والإسفاف، وبالتالي، استهلاك الأفكار، ناهيك عن استهلاك الوقت.

وقال البريكي: «إن الشاعر إن كان اجتماعياً، فإنَّ هناك أولويات في حياته، وهي بحاجة إلى قسمة من الوقت، وأرى أن وسائل التواصل جيدة، إذا وظفها الشاعر في خدمة تجربته ومسيرته»، مشيراً إلى أن كثرة النشر قد تؤدي إلى نشر أعمال مترهلة إبداعياً، ولا ترقى إلى أن تبقى خالدة للأجيال، فتذهب كالزبد، وتُستهلك آنياً.

وأكد أنه من الصعوبة بمكان، أن يوازن الشاعر بين الغزارة والجودة، إلا إذا كان لديه متسع من الوقت، وتفرُّغ للكتابة، لافتاً إلى ضرورة ألا تكون هذه الغزارة شبه يومية، لأن ما يُكتب ليس بالضرورة أن يكون صانعاً للدهشة.

ورأى أن الشعر يمكن أن يكون لغة يومية، يعبِّر بها الشاعر عن همومه الذاتية، ويمكن أن يصبح رسالة ومذكِّرة يومية، مضيفاً: «هذا الجهد يأتي من خلال تقوية عضلات القدرات الإبداعية، ومنعها من الترهل والتوقف».

سرعة وتلقائية

من جانبها، لفتت الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد، إلى أن ثمة نوعين من الشعراء، نوع يعيش الشعر بكل تفاصيله، والنوع الآخر يتلذذ بالكتابة عن التفاصيل، مضيفةً: «نحن نعيش في زمن يتسم بالسرعة والتلقائية والازدواجية، زمن نحنُّ فيه إلى التأمل والهدوء من ناحية، ومن ناحية أخرى نميل إلى السرعة في التعاملات والحركة واتخاذ القرارات».

وأوضحت أن الشاعر هو المؤرخ الأول للحقبة الزمنية التي يمرُّ بها، وأنه يعيش تفاصيل تشبه الزمن، مشيرةً إلى أنه لا غرابة في أن يحوِّل شعره إلى إبداع يومي، وينشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأن هذه الظاهرة تواكب عصرنا الحالي.

وقالت: «هناك خلل في الموازنة بين غزارة الإنتاج وجودة النص الشعري، إلا في ما ندر، بسبب السرعة في كتابة النص، دون مراعاة أدواته الفنية، وفي رأيي أن الشعر أصبح بالفعل لغة يومية للتعبير عن الذات».

موضحةً أن وسائل التواصل الاجتماعي، هي التي تشجع الشعراء على الكتابة اليومية، بسبب الضغط النفسي أو الغربة الداخلية والخارجية التي يكتوون بنارها، وأن الكتابة كانت، وما زالت، هي الشفاء الأوحد من الجراحات التي تصيب النفس البشرية.

 

تجربة رائدة

من جهته، أكد الشاعر والناقد السوري الدكتور أكرم جميل قنبس، أنه ينظم الشعر يومياً، وينشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، واصفاً تلك الفكرة، التي بدأها منذ نحو سبع سنوات، بأنها «تجربة رائدة».

وقال قنبس: «أحرص على نشر مقطوعات شعرية بصورة يومية متتابعة»، منوهاً بأنه لا يرى هذا النوع من النظم روتيناً أو إلزاماً بهدف التباهي بإبداع الشعر يومياً ونشره، وإنما هو رسالة تحمل بين طياتها حكمة ورؤية.

وأوضح أن موضوعات تلك الأشعار اليومية التي يداوم على نظمها، تتناول قضايا عظيمة، كحب الوطن والتآلف والتآخي والأخلاق الكريمة، وتوجيه سلوكيات البشر إلى كل ما هو إيجابي، مؤكداً أنه لا أحد يستطيع الاستمرار في تأدية تلك الرسالة النبيلة، إلا من كان يمتلك الموهبة الشعرية الأصيلة.

ولفت إلى أن الشعر ليس آلة يحركها الشاعر في أي لحظة أراد، بل هو إحساس بالدرجة الأولى، يلفت انتباه المبدع للتعبير عن حالة معيَّنة، أو قضية ذات مغزى، موضحاً أن الموهبة الشعرية الفذَّة، هي السر وراء المقدرة على الموازنة بين الجودة الفنية وغزارة الإنتاج، ومن ثم الوصول إلى جعل الشعر لغة يومية.

زر الذهاب إلى الأعلى