لماذا اختفى عرفان السيئوني؟

كتب: د. مسعود عمشوش
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان لصوت الرحى في مطابخ سيئون إيقاعٌ يشبه دقات ساعةٍ قديمة لا تتوقف. كان الصوت يبدأ مع الفجر، حين تكون الأزقة الترابية لا تزال غارقة في زرقة الصباح الأولى، وتتصاعد من البيوت رائحة الحطب والدخان والقهوة. تجلس المرأة إلى جوار الرحى، تضع حفنة من الحبوب بين الحجرين، ثم تمسك بالمقبض الخشبي وتدور بالقرص العلوي في حركة رتيبة. دورة… ثم دورة… ثم دورة.
وكانت الرحى في معظم البيوت أكثر من مجرد أداة منزلية. كانت جزءاً من الحياة نفسها. أما المرهى، فكان له شأن آخر. كان يُستخدم لطحن الذرة البيضاء، وكانت له زاوية معروفة في المطبخ، مثلما يكون للموقد أو جرة الماء مكان لا يتغير.
ولم يكن أحد يومها يتصور أن هذه الأدوات الحجرية ستختفي ذات يوم من بيوت سيئون، كما تختفي عادة قديمة من ذاكرة الناس. لكن الرحى اختفت أولاً. ثم اختفى المرهى. وفي الحكاية التي أرويها هنا، كان اختفاء الرحى مقدمة لاختفاء رجل اسمه عرفان السيؤوني.
كان آل السيؤوني معروفين في سيئون بصناعة الرحايا والمراهي. وكان سر مهنتهم يبدأ من الجبل. فهناك جنوب السده القبلية، عند سفح جبل إبراهيم، كانت تنتشر أنواع غريبة من الأحجار؛ بعضها يميل إلى الحمرة، وبعضها أصفر كأنه تشرب لون الشمس، ومنها حجارة رمادية وسوداء وخضراء، تتخللها عروق دقيقة لا ينتبه إليها إلا من اعتاد النظر إلى الحجر كما ينظر الصائغ إلى قطعة معدن. وكنا، ونحن أطفال، نذهب إلى هناك بحثاً عن الحجارة المستديرة التي نلعب بها كعارير. كنا ننشغل باللعب، بينما كان آل السيؤوني ينشغلون بشيء آخر تماماً. كان الواحد منهم يضرب الحجر، يتفحصه، يقلبه بين يديه، ثم يتركه ويمضي.
كنت أراقبهم من بعيد. ولم أكن أفهم وقتها لماذا كان أحدهم يستطيع أن يميز حجراً يستحق أن يحمل إلى بيته من بين مئات الحجارة الأخرى. وكان أشهر أولئك الرجال في أواخر سنة 1964 هو عرفان السيؤوني. كان رجلاً هادئاً، قليل الكلام، سريع الحركة، يعرفه معظم أهل سيئون. كانت النساء يرسلن إليه رحاهن ومراهيهن لإصلاحها، وكانت الأسر تحرص على شراء ما تحتاج إليه منه.
لم يكن عرفان ثرياً. بل على العكس، كان يعيش حياة حرفي يعرف الناس دخله ومصدر رزقه. ولهذا، حين اختفى في منتصف ذلك العام، لم يكن اختفاؤه مجرد غياب رجل عن السوق.
كان لغزاً. ففي صباح أحد الأيام، ذهب رجل إلى بيت عرفان لإصلاح مرهى. طرق الباب. لا جواب. طرق ثانية. ظل الصمت. ظن أن عرفان خرج لبعض شأنه. لكن عندما مر يومان ولم يظهر، بدأ الناس يسألون. ثم اكتشفوا أن عرفان لم يغادر وحده. زوجته اختفت أيضا. أمه اختفت. ولداه اختفيا.
لم يترك وراءه رسالة. لم يبع داره أمام الناس. لم يخبر أحداً بأنه مسافر.
فقط… اختفى. في تلك الأيام لم تكن سيئون تعرف شيئاً اسمه “اختفاء غامض” بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان الناس يفسرون الأمر بسرعة:
ـ سافر إلى السواحل. أو إلى الحجاز.
ـ ربما ذهب إلى المكلا.
ـ لعله عاد إلى أهله.
لكن الأيام مرت. ثم الأسابيع. ثم الشهور. وبدأت القصة تنزلق من خانة السفر إلى خانة السر. كان السؤال الذي يتكرر في المجالس:
لماذا اختفى عرفان السيؤوني؟
وبعد أشهر، جاء رجل من منطقة شعب نبي الله هود يحمل خبراً أعاد القصة إلى الحياة. قال إنه رأى عرفان هناك أثناء موسم الزيارة، التي كانت تقام في الفترة من الثامن إلى العاشر من شعبان. لم يصدقه بعضهم.
لكن رجالاً آخرين أكدوا أنهم رأوه. ثم جاءت التفاصيل. كان لعرفان خيمة كبيرة، وفيها أقمشة مختلفة ومصوغات فضية وسكاكين وحاجات كثيرة يشتريها البدو في موسم الزيارة أو في سوق الحنضل بتريم.
كيف أصبح عرفان، الحرفي الذي كان يقضي نهاره بين الحجارة، تاجراً؟
ومن أين جاءه رأس المال؟ كانت الأسئلة أكثر من الأجوبة. ثم ظهر الخبر الأغرب: عرفان لم يعد يُعرف في تريم باسم عرفان السيؤوني.
كان الناس ينادونه: عرفان باسبيع. وكأنه رجل آخر. استقر في تريم، وفتح دكاناً في سوق الحنضل، شرقي مسجد الجامع، وأصبح يتعامل مع البدو ويبيع لهم ما يحتاجونه. كان الأمر كله يبدو عادياً لمن لا يعرف البداية.
أما بالنسبة لي، فقد كان هناك خيط لا يريد أن ينقطع. عرفان لم يهرب من سيئون فقط. لقد غيّر اسمه. وغيّر مهنته. وغيّر حياته كلها. وهذه ثلاثة أشياء لا يفعلها رجل من أجل لا شيء.
ذهبت إلى تريم. ولم أسأل عنه مباشرة. تعلمت منذ البداية أن السؤال المباشر يقتل الحقيقة. دخلت سوق الحنضل كما يدخل المرء مكاناً لا يعرفه، وبدأت أراقب. كان دكان عرفان صغيراً، لكنه عامر بالبضائع. أقمشة. حلي فضية. أشياء للبدو. وكان عرفان نفسه يجلس في الداخل، يزن الأمور بعين رجل اعتاد الحذر. راقبته يومين. ثم ثلاثة.
وفي اليوم الرابع رأيته يغلق دكانه في وقت الظهيرة، ويمضي إلى أحد أشهر صاغة الذهب في تريم. دخل. وبقي نحو نصف ساعة. خرج. ثم بعد يومين كرر الأمر نفسه مع صائغ آخر. لم يكن يشتري ذهباً. كان يبيع ذهباً خاماً. عيار 21. هنا تغير السؤال.
لم يعد: من أين جاء مال عرفان؟
بل: من أين جاء الذهب؟
في المساء عدت إلى الدكان. جلست أمامه، وتحدثت معه عن أشياء عادية. عن السوق. عن البدو. عن الأقمشة. عن غلاء الأسعار. كان يجيب باقتضاب. ثم قلت له فجأة:
ـ يا عرفان… الناس في سيئون يسألون عنك.
رفع رأسه. لم يجب. قلت: ـ يقولون إنك سافرت إلى السواحل.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
ـ الناس يقولون أشياء كثيرة.
ثم أضفت: ـ ويقولون إنك أصبحت تاجراً كبيراً.
هنا تغير وجهه. قلت له:
ـ وأنا لا أريد من مالك شيئاً. أريد فقط أن أعرف الحكاية.
ظل صامتاً. ثم قلت:
ـ وإذا أخبرتني، فلن أذكر اسمك.
نظر إليّ طويلاً. ثم أغلق باب الدكان. كانت تلك اللحظة هي بداية اعترافه.
قال عرفان: ـ هل تعرف لماذا كنت أذهب إلى جبل إبراهيم كثيراً؟
قلت: ـ لأنك كنت تبحث عن حجارة لصنع الرحايا والمراهي.
هز رأسه.
ـ هذا ما كنت أريد للناس أن يظنوه.
ثم سكت. وأخرج من صندوق خشبي صغير قطعة حجرية لا تكاد تتجاوز حجم قبضة اليد.
قال: ـ هذه هي البداية.
كانت قطعة غير منتظمة، ذات لون يميل إلى الحمرة والصفرة.
قال: ـ في أحد الأيام كنت أبحث عن حجر مناسب للمرهى. وجدت حجراً كبيراً، لم يعجبني شكله من الخارج. لكن شيئاً ما فيه لفت انتباهي.
سألته: ـ ماذا؟
قال: ـ اللون.
ثم تابع: ـ ضربته مرة. لم يحدث شيء. ضربته ثانية. انشق الحجر.
وحين انكشفت داخله رأيت شيئاً لم أره في حياتي. عروقاً صفراء لامعة.
لم يكن يعرف هل هي ذهب أم شيء آخر. أخذ قطعة صغيرة من قلب الحجر، ووضعها في ثوبه. ثم بدأ الخوف.
قال: ـ في ذلك اليوم لم أعد أفكر في الرحايا والمراهي. كنت أفكر في الحجر. وفي المكان. وفي أن أحداً قد يراني.
وفي اليوم التالي عدت إلى الموضع نفسه. ثم عدت ثالثة. وكان الحجر الكبير قد ترك وراءه ما لم يتوقعه. كمية من الذهب الخام.
لم أكن جيولوجياً، ولا أعرف ما فيمة ما وجدته. لكني عرفت شيئاً واحداً:
أنه ليس حجراً عادياً. حملت قطعة صغيرة إلى رجل اسمه عمر حسان.
كان من أهل الخبرة بالمعادن. عرضت عليه القطعة. فحصها. ثم سألني:
ـ من أين أتيت بها؟
ترددت وقلت:
ـ وجدتها بين الأحجار.
ظل الرجل ينظر إلي. ثم قال:
ـ أعطيك فيها سبعين شلناً.
كان المبلغ بالنسبة لي ثروة. أخذت المال. لكني لم أنسَ نظرة عمر حسان.
تلك النظرة التي جعلتني يدرك أن الرجل فهم شيئاً لم يقله.
وعندما خرجت من عنده، كان أول قرار اتخذته: أن أغادر سيئون.
قال عرفان: لم أكن أخاف من الذهب نفسه. كنت أخاف من الناس.
كان يعرف أن الخبر إذا خرج، لن يبقى الجبل كما هو.
سيأتي الرجال.
وسيأتي الحفر. وستضيع حياته. وربما لن يبقى له شيء. لذلك عاد إلى بيته، وأخبر أسرته بأنهم سيرحلون.
سألته: ـ ولماذا لم تقل إنك ذاهب إلى تريم؟ قال: ـ لأنني لو قلت ذلك، لتبعني الناس.
ثم أضاف: ـ قلت للجميع إنني ذاهب إلى السواحل مثل كثيرين ممن عادوا في تلك الفترة.
وفي إحدى الليالي خرج عرفان مع أسرته. وفي الصباح كان البيت خالياً.
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
قلت له: ـ وهل كان الذهب الذي بعته للصاغة من ذلك الحجر؟
لم يجب فوراً. كان الصمت هذه المرة أطول. ثم قال: ـ بعضه.
قلت: ـ وبعضه؟ نظر إلى الباب. ثم قال بصوت منخفض:
ـ هناك شيء لم أقله لأحد. مال بجسده نحوي.
ـ عندما عدت إلى الجبل في المرة الثانية، وجدت أن أحداً سبقني.
توقفت. ـ من؟
قال: ـ لا أعرف. كانت هناك آثار أقدام حول المكان. والحجر الذي كنت قد تركته كان قد كُسر مرة أخرى. سألته: ـ هل أخذوا الذهب؟
قال: ـ أخذوا جزءاً منه.
ثم أضاف: ـ ومنذ ذلك اليوم عرفت أنني لست الوحيد الذي عرف.
في تلك اللحظة بدأت أفهم سبب اختفاء عرفان الحقيقي.
لم يكن الرجل قد هرب من الفقر إلى الغنى فقط.
كان يهرب من سرٍّ أصبح أكبر منه.
سألته: ـ هل عدت إلى جبل إبراهيم بعد ذلك؟
قال: ـ مرة واحدة.
ـ وماذا وجدت؟ قال:
ـ وجدت شيئاً جعلني لا أعود أبداً.
سكت. قلت: ـ ماذا؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال: ـ لا تسألني.
نهض، وفتح باب الدكان. كان ذلك يعني أن الحديث انتهى.
لكنني قبل أن أغادر قلت له: ـ يا عرفان… هل كان ما وجدته ذهباً فعلاً؟
التفت إليّ. وقال:
ـ لو لم يكن ذهباً، هل كنت ستراني هنا؟
ثم أغلق الباب خلفي.
وعدت إلى سيئون وأنا أحمل حكاية لم أكن متأكداً من نهايتها. ومرت السنوات. اختفت الرحى من المطابخ. ثم اختفت المراهي. وجاءت المطاحن الحديثة، وأصبح طحن الحبوب يتم في دقائق بعد أن كان يحتاج إلى ساعات من دوران الحجر.
أما عرفان، فقد بقي اسمه معلقاً في الذاكرة مثل مسمار قديم في باب أغلق منذ زمن بعيد.