روبوتات الحمض النووي.. صائدات السرطان والفيروسات في الجسم

كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
يُعرف الحمض النووي (DNA) بأنه الجزيء الذي يحمل التعليمات الوراثية لكل الكائنات الحية، لكن العلماء بدأوا مؤخرًا في التعامل معه بطريقة مختلفة تماما، كمادة بناء للروبوتات. في مختبرات حول العالم، قام الباحثون بتشكيل خيوط الحمض النووي لتحويلها إلى أجهزة متحركة قادرة على الالتقاط، الانحناء، والاستجابة للإشارات الكيميائية، فتتحول الفكرة من مجرد مفهوم مستقبلي إلى تحدٍ هندسي حقيقي.
إن السؤال اليوم لم يعد حول إمكانية بناء آلات من الحمض النووي، بل حول كيفية التحكم بها، توسيع نطاقها، وجعلها موثوقة بما يكفي للقيام بمهام مفيدة في الطب والتصنيع والمجالات الأخرى.
روبوتات نانوية تتحرك في الدم
في السنوات الأخيرة، صنع العلماء مجموعة متنوعة من هياكل الحمض النووي البسيطة: مشابك صغيرة، أجهزة مشي، تروس، وحتى هياكل تشبه اليد يمكنها الفتح والإغلاق عند الطلب. توفر الأجزاء الصلبة ثنائية الخيط بنية متينة، بينما تمنح الخيوط المفردة المرونة المطلوبة للحركة والانحناء، ما يمنح الباحثين أدوات تصميم فعالة على المستوى الجزيئي.
التحكم في هذه الآلات يمثل التحدي الأكبر. فالحركة تبدأ بتخصيص وظائف مختلفة لأجزاء الجزيء وتجميعها ضمن مخطط محدد باستخدام تقنية طي الحمض النووي (DNA origami)، حيث تقوم خيوط قصيرة بثني خيط أطول لتكوين هياكل متحركة. على سبيل المثال، صممت مفصلات نانوية تتأرجح مثل الأبواب أو تمتد مثل المنزلقات، ما يحاكي وظيفة المحركات والتروس التقليدية على نطاق نانوي، وفقا لـ “earth”.
توجيه الآلات النانوية
السيطرة الدقيقة على هذه الروبوتات الصغيرة ضرورية، فالآلة التي لا تستطيع التوقف أو اختيار المسار لا قيمة لها. أحد الحلول هو استخدام تفاعل تبادل الخيوط، حيث يقوم خيط وارد بإزاحة آخر لتحفيز حركة محددة. كما يمكن استخدام المجالات الكهربائية، المغناطيسية، أو الضوء لتحريك الهياكل بأكملها، ما يوفر توازنًا بين الدقة والسرعة، وهو توتر معروف في الطب والهندسة النانوية.
الطب يفتح الطريق للروبوتات النانوية
الطب يمثل المجال الأكثر وعدا لتطبيق روبوتات الحمض النووي، فالحمض النووي ليس غريبًا عن الجسم البشري. في تجربة 2024، التقطت أصابع مرنة صغيرة فيروس SARS-CoV-2 من اللعاب في أقل من 30 دقيقة، وبحساسية مشابهة للاختبارات المخبرية القياسية. روبوت آخر نقل أدوية التخثر مباشرة إلى الأورام في الفئران، ليتم إطلاقه فقط عند الوصول إلى الهدف، مما يفتح آفاقًا لتوصيل الأدوية ذاتيًا مع تقليل الأضرار الجانبية.
مصانع دقيقة من الحمض النووي
بعيدًا عن الطب، يمكن استخدام هياكل الحمض النووي كقوالب لترتيب الجسيمات النانوية أو مصادر الضوء بدقة مذهلة، ما يفتح المجال لصناعة الأجهزة البصرية والإلكترونيات الجزيئية. كما يمكن للحمض النووي تخزين المعلومات، تنفيذ دوائر منطقية، وحتى تسجيل البيانات، مما يجعله منصة متعددة الاستخدامات لتصميم آلات دقيقة للغاية.
التحديات المستقبلية
على الرغم من التقدم الكبير، تواجه هذه التكنولوجيا تحديات، الحركة البراونية المستمرة تهز الهياكل النانوية، والتحكم الدقيق يحتاج برامج تصميم متقدمة وتجربة عملية مستمرة، بينما يشكل توسيع الإنتاج على نطاق واسع وبكلفة منخفضة العقبة الكبرى التالية. الباحثون يجرون حاليًا تجارب لتخمير خيوط الحمض النووي في بكتيريا الإشريكية القولونية، لمحاولة إنتاج ملايين الهياكل بشكل موثوق.
نظرة مستقبلية
روبوتات الحمض النووي لم تعد فكرة خيالية، بل تخصصًا هندسيًا حقيقيًا بمكونات محددة، تحكم دقيق، وأهداف واضحة. نجاحها في الطب، التصنيع، وتخزين المعلومات يعتمد على تحسين التصميم، استقرار التصنيع، وتطوير أنظمة تغذية راجعة ذكية، حتى تستطيع الصمود في البيئات الواقعية خارج المختبر. كما كتب الباحثون: “لن تقتصر روبوتات المستقبل على المعدن والبلاستيك فقط”، فالمستقبل قد يشهد آلات حية من الحمض النووي تسرح وتفعل داخل أجسامنا وخارجها، محققة إنجازات كانت مجرد حلم قبل عقد من الزمن.