حياتنا “بالإيجار”.. كيف تستنزفنا فوضى الاشتراكات؟
العالم يهدر 1.5 تريليون دولار سنوياً في الرسوم

كريترنيوز/ متابعات /زياد فؤاد
يستيقظ المواطن في حياته اليومية الرقمية المستحدثة في شتى بقاع الأرض ليجد نفسه محاصراً داخل دائرة مفرغة من الاستقطاعات الشهرية المتجددة، التي اعتاد عليها، ولم يعد يستطيع الاستغناء عنها، سواء في العمل أو في حياته اليومية، فالسعة المجانية التي يحصل عليها عند شراء هاتف ذكي لم تعد تكفي للاحتفاظ بذكرياته، فيشتري اشتراكاً في السحابة ليتسع لخزينه، والجريدة التي اعتاد على تصفحها إلكترونياً، لم تعد تقدم الخدمة بشكل مجاني كما اعتاد، وليعرف أكثر صار عليه أن يدفع أكثر، حتى حسابه على السوشيال ميديا أصبح لزاماً عليه أن يدفع ليتمتع بالخدمات التي اعتاد عليها، ولينتج فكل برامج الإنتاج باشتراك شهري، لم يعد العالم كما عهدناه؛ لم يعد هناك مجال للامتلاك.. لأن كل شيء أصبح بالإيجار، بعدما ولى ذلك الزمن الذي كان فيه المستهلك يشتري السلعة ليمتلكها إلى الأبد.
اليوم نحن نعيش رسمياً حقبة اقتصاد الاشتراكات “Subscription Economy”، حيث تحولت تفاصيل حياتنا اليومية -من الترفيه إلى ضروريات في العمل أو المعرفة، وتلك الضروريات لم نعد نستطيع امتلاكها، بعدما تحولت إلى خدمات مؤجرة، مما حول الأفراد عالمياً إلى مجرد “مصادر تمويل مستمرة” للشركات الكبرى.
”الطبقية” الجديدة
ولعل أخطر تجليات هذه الظاهرة هو زحفها نحو قطاع الصحافة والإعلام، فقد بات الوصول إلى المعلومة الموثقة والتحقيقات الاستقصائية الرصينة حكراً على من يملك ثمن الاشتراك، كبرى الصحف العالمية، مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، وأغلب الصحف العربية الكبرى، رفعت جدران الدفع (Paywalls) كشرط للمرور، والأمر ليس عيباً في تلك الصحف التي باتت تبحث عن مصادر ربح تنفق منها على الخدمات التي تقدمها وتعطي رواتباً للعاملين فيها، هم ليسوا ملامين، ولا القارئ المتابع الباحث عن المعرفة هو الآخر عليه اللوم، فهذا التحول خلق ما يمكن تسميته بـ”الطبقية المعرفية”؛ فبينما يحصل القادر مالياً على تحليلات عميقة، يُترك الجمهور العام فريسة لعناوين الإثارة والشائعات المجانية على منصات التواصل الاجتماعي.
ولم يتوقف الأمر عند استهلاك المحتوى، بل أن الجمهور إن أراد الدخول في صناعة المحتوى، أدواته لتلك الصناعة لم تعد مجانية، ويعاني صناع المحتوى والصحفيون من عبء مالي متزايد؛ فشركات البرمجيات العملاقة مثل “أدوبي” تبنت نموذج البرمجيات كخدمة “SaaS”، مجبرة المبدعين على دفع اشتراكات شهرية لا تنتهي لاستخدام برامج المونتاج والتصميم، وبعد الدفع الشهري الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقوالب التصميم للعناوين وغيرها لابد أن يدفع لها اشتراكاً منفصلاً، ولكي يضع موسيقى مصاحبة، عليه أن يدفع لمكان آخر اشتراكاً شهرياً أيضاً ليحصل على رخصة الموسيقى، وإلا فقد يتعرض محتواه للحجب، وتفاقم الأمر أكثر مع ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تحولت أدوات مثل (ChatGPT) و(Midjourney) إلى التزامات مالية جديدة تضاف إلى فاتورة الإنترنت والتخزين السحابي.
حتى التلفزيونات المحلية، بدأت طريقها للزوال مقابل منصات البث مثل نتفليكس ويانغو بلاي وشاهد ووتش إت وغيرهم، فحتى عند الاكتفاء بدور المشاهد وليس الصانع فيجب أن تدفع لتشاهد، وتدفع لتلعب في اشتراكات بلاي ستيشن وإكس بوكس وغيرها، حتى الألعاب على الهاتف المحمول باتت بالدفع وباشتراكات أو بمشتريات داخل اللعبة، ولكي تنتصر وتحقق متعة الفوز في اللعبة لابد من الدفع لتخطي المستوى.
تصاعد جنوني
وتكشف الإحصائيات الصادرة عن مؤسسات بحثية عالمية مثل “بانغو” و”ديلويت” عن واقع مالي صادم يعيشه المستهلكون، حيث شهدت السنوات الثلاث الماضية (2023 – 2025) قفزات غير مسبوقة في حجم الإنفاق الفردي:
ووفقاً لتقرير ”Bango” لعام 2024، وصل متوسط ما يدفعه الفرد الأمريكي على الاشتراكات إلى 924 دولاراً سنوياً (حوالي 77 دولاراً شهرياً)، بينما يتراوح الرقم في أوروبا بين 696 و814 يورو. وتشير تقارير أخرى لمنصة ”ERP Today” إلى أن الرقم قد يصل إلى 133 دولاراً شهرياً عند احتساب كافة أنواع الخدمات الرقمية والبرمجية.
وفي عام 2023، كان 54.6% من المستهلكين يدفعون لاشتراكات لا يستخدمونها، وقفزت هذه النسبة بشكل مرعب في 2024 لتصل إلى 85.7%، مما يعكس حالة الفوضى وعدم القدرة على إدارة هذا الكم الهائل من المدفوعات.
وشهد العامان الأخيران موجة تضخم في أسعار الخدمات الرقمية، حيث رفعت منصات البث والبرمجيات أسعارها بمتوسط 1 إلى 4 دولارات للاشتراك الواحد، وتخطط 73% من الشركات لزيادات إضافية، مما يجعل فاتورة المواطن الرقمي في تصاعد مستمر رغم ثبات الدخل.
تريليونات تتطاير
ويُتوقع أن يتجاوز حجم “اقتصاد الاشتراكات” حاجز الـ 1.5 تريليون دولار عالمياً خلال عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الأموال التي تضخ من جيوب الأفراد إلى خزائن الشركات التكنولوجية.
وفي ظل مصطلح “إرهاق الاشتراكات” الذي بات ظاهرة اقتصادية رصدتها مؤسسة “ديلويت”، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن في طريقنا لمجتمع فقد رفاهية الامتلاك، وأصبح أسير الإيجار الشهري؟ هذه الفوضى لم تعد مجرد نموذج ربحي ذكي، بل أصبحت عبئاً نفسياً ومالياً يعيد تشكيل نمط حياة الفرد، ويجعل استقراره المالي مرهوناً بقدرته على سداد “إيجار” أدوات حياته، شهراً تلو الآخر.