تكنولوجيا
تلعب بالنار.. لماذا تخطط ناسا لإشعال الحرائق على سطح القمر؟

كريترنيوز /متابعات/السيد محمد المتولي
تخطط ناسا لإجراء تجربة غير مسبوقة على سطح القمر في أواخر عام 2026، تتمثل في إشعال حرائق متعمدة لدراسة سلوك اللهب في بيئة ذات جاذبية منخفضة، ورغم أن فكرة إشعال النار في الفضاء قد تبدو خطيرة، فإن الهدف منها علمي بحت، ويركّز على فهم كيفية اشتعال المواد خارج نطاق جاذبية الأرض، وهو أمر أساسي لضمان سلامة المهمات المستقبلية.
تولي ناسا أهمية كبيرة للسلامة، حيث تُختبر المواد المستخدمة في المركبات الفضائية بدقة على الأرض قبل اعتمادها، لكن المشكلة تكمن في أن هذه الاختبارات تُجرى في ظروف الجاذبية الأرضية، بينما تشير الدراسات إلى أن قابلية الاشتعال قد تختلف بشكل كبير في بيئات أخرى، مثل القمر أو الفضاء، فقد تكون بعض المواد غير قابلة للاشتعال على الأرض، لكنها تصبح قابلة للاحتراق في بيئة منخفضة الجاذبية، بسبب اختلاف حركة الهواء والأكسجين حول اللهب وفق iflscience.
توضح ناسا أن آلية تغذية اللهب بالأكسجين تتغير مع انخفاض الجاذبية، حيث يتحرك الأكسجين بشكل أبطأ، ما يمنح التفاعلات الكيميائية وقتًا أطول للاستمرار، وبالتالي قد يسمح بحدوث احتراق لم يكن ممكناً على الأرض. كما أن إدخال تدفق هواء منخفض السرعة في بيئات انعدام الجاذبية قد يؤدي إلى اشتعال مواد لا تحترق عادة، ولكن بلهب أصغر حجماً.
حتى الآن، اعتمد العلماء على طرق مختلفة لمحاكاة انعدام الجاذبية، مثل الرحلات الجوية الخاصة المعروفة باسم “مذنب القيء”، أو استخدام أبراج السقوط الحر، حيث توضع التجارب في حالة سقوط لتوليد بيئة شبه عديمة الجاذبية. ومع ذلك، تظل هذه التجارب محدودة، إذ لا تدوم إلا لثوانٍ قليلة، ما يمنع دراسة تطور اللهب بشكل كامل.
أما محاكاة الجاذبية الجزئية، مثل تلك الموجودة على القمر، فهي أكثر تعقيداً، إذ تتطلب تقنيات تجمع بين السقوط الحر والدوران، في إحدى التجارب، استخدم الباحثون جهاز طرد مركزي يتم إسقاطه من برج، بحيث يولد السقوط حالة انعدام جاذبية، بينما يخلق الدوران جاذبية اصطناعية يمكن التحكم فيها. ورغم ابتكار هذه الأساليب، فإنها لا تزال غير مثالية.
تجارب قمرية
ترى ناسا أن الطريقة الأكثر دقة لفهم سلوك الاحتراق في الجاذبية المنخفضة هي إجراء التجارب مباشرة على القمر. ومن هنا جاءت فكرة تجربة قابلية الاشتعال على سطح القمر ، التي ستتضمن حرق أربع عينات من الوقود الصلب، مع تسجيل دقيق لكيفية انتشار اللهب باستخدام الكاميرات.
لا يقتصر الهدف على معرفة ما إذا كانت المواد ستشتعل، بل يتعداه إلى اختبار النماذج العلمية التي تتنبأ بسلوك الحرائق في بيئات منخفضة الجاذبية. ومن شأن هذه البيانات أن تساعد العلماء على تحسين تصميم المركبات والمعدات الفضائية، وتقليل مخاطر الحرائق في المهمات المستقبلية.
حوادث فضائية
تاريخ الفضاء يؤكد على أهمية هذه التجارب، فقد شهدت الرحلات الفضائية بعض الحوادث الخطيرة المرتبطة بالحرائق، وكان أبرزها الحريق الذي اندلع عام 1997 على متن محطة “مير”، نتيجة خلل في نظام توليد الأكسجين، أدى الحادث إلى امتلاء المحطة بالدخان وإعاقة رؤية الطاقم، وكاد أن يهدد سلامتهم بشكل كبير، قبل أن يتمكنوا من السيطرة عليه.
تؤكد هذه الحوادث أن الحريق في الفضاء يمثل خطراً حقيقياً، خاصة في بيئات مغلقة ومعزولة مثل المركبات الفضائية. ولذلك، فإن فهم كيفية اشتعال المواد في ظروف مختلفة من الجاذبية يُعد خطوة ضرورية لتفادي مفاجآت خطيرة في المستقبل.
تمثل هذه التجربة خطوة علمية جريئة نحو فهم أعمق لسلوك النار خارج الأرض، وبينما تبدو فكرة إشعال حرائق على القمر غير تقليدية، فإنها قد تلعب دوراً حاسماً في جعل الرحلات الفضائية أكثر أماناً، خصوصاً مع خطط استكشاف القمر والمريخ خلال السنوات القادمة.
فيديو