كيف خسرت أمريكا معركة البطاريات أمام الصين؟

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي
لم تعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في قطاع البطاريات مرتبطة بالليثيوم فقط، بل بدأت تمتد إلى بطاريات الصوديوم-أيون، وهي تقنية تعتمد في جزء من سلسلتها الصناعية على كربونات الصوديوم، المعروفة تجارياً باسم رماد الصودا. ورغم أن هذه التقنية لا تزال صغيرة مقارنة ببطاريات الليثيوم-أيون، فإنها تكتسب أهمية استراتيجية لأنها قد تقلل الاعتماد على الليثيوم وتوفر أداءً أفضل في الأجواء الباردة.
وفي الوقت الذي امتلكت فيه الولايات المتحدة معرفة علمية مبكرة، وشركات ناشئة طموحة، وتمويلاً حكومياً، استطاعت الصين أن تحوّل التكنولوجيا إلى صناعة جماعية ضخمة، رخيصة، وسريعة الانتشار.
تملك الصين حالياً الموقع الصناعي الأقوى في هذا المجال. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، كان إنتاج بطاريات الصوديوم-أيون عالمياً في عام 2025 أقل من 1% من إنتاج بطاريات الليثيوم-أيون، إلا أن معظم الطاقة التصنيعية القائمة تقريباً تتركز في الصين، كما تستحوذ الصين على أكثر من 95% من الطاقات الإنتاجية المعلنة لعام 2030.
وتتحرك الشركات الصينية مبكراً في هذا القطاع. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تخطط شركة CATL لنشر بطاريات الصوديوم-أيون على نطاق تجاري في عدة قطاعات بدءاً من عام 2026، بينما بدأت شركة BYD بناء أول مصنع لها لبطاريات الصوديوم-أيون في يناير 2024. ولا تعني هذه الخطوات أن الصوديوم سيحل فوراً محل الليثيوم، لكنها تظهر أن الصين تبني خياراً صناعياً إضافياً قبل أن يتمكن المنافسون من تطوير سلاسل توريد مماثلة.
لم تعتمد الصين فقط على البحث العلمي، بل على الطلب المحلي، وتكامل سلاسل الإمداد، ودعم التصنيع، وحجم السوق. شركات مثل CATL وBYD لم تصعد لأنها تمتلك تقنية واحدة، بل لأنها تحركت داخل نظام صناعي كامل.
ورقة أمريكية
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة ميزة مهمة في المادة الخام. فبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، بلغ إنتاج الولايات المتحدة من رماد الصودا نحو 12 مليون طن متري في عام 2025، بقيمة إنتاج محلي مقدرة بنحو 1.8 مليار دولار. كما بلغت الطاقة الاسمية للمنتجين الأمريكيين نحو 13.9 مليون طن متري سنوياً.
وتمنح هذه الأرقام واشنطن ورقة طبيعية لا تملكها بالقدر نفسه في بعض مواد بطاريات الليثيوم. فقد قالت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، أن حوض غرين ريفر في ولاية وايومنغ يحتوي على أكبر رواسب الترونا في العالم، مع موارد محددة تعادل نحو 47 مليار طن من رماد الصودا.
ولكن تلقى الفصل الأمريكي الجديد في الصوديوم ضربة رمزية، حيث أغلقت شركة “Natron Energy”، وهي شركة أمريكية ناشئة في بطاريات أيون الصوديوم عملياتها وأوقفت خطط مصنع كان معلناً في ولاية كارولاينا الشمالية. وذكر تقرير “Manufacturing Dive”، أن المشروع المخطط له بقيمة 1.4 مليار دولار كان من المفترض أن يوسع قدرة الشركة الإنتاجية بنحو 40 مرة.
وهنا يُطرح سؤال مهم: لدى الولايات المتحدة موارد طبيعية مهمة، وصناعة قائمة، ومراكز بحثية متقدمة، لكن هل يكفي امتلاك المادة والمعرفة إذا لم توجد قدرة تصنيع تنافسية؟
ميزان الإمداد
على الرغم من مخزون أمريكا الهائل، تبقى الصين المنتج الأكبر عالمياً. فقد أكدت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، أن الصين أنتجت نحو 38 مليون طن متري من رماد الصودا في عام 2025، مقابل نحو 12 مليون طن متري للولايات المتحدة. ووفقاً للمصدر نفسه، استحوذت الصين والولايات المتحدة وتركيا معاً على نحو 80% من الإنتاج العالمي.
لكن الفارق لا يتعلق بالكمية فقط، بل أيضاً بطريقة الإنتاج. فيعتمد معظم إنتاج الصين على رماد الصودا الصناعي، بينما يعتمد الإنتاج الأمريكي على رماد الصودا الطبيعي المستخرج من الترونا. وعادة ما يكون المنتج الطبيعي أقل كلفة وأقل أثراً بيئياً، ما يمنح الولايات المتحدة ميزة في المادة الخام، حتى لو كانت الصين متقدمة في تصنيع البطاريات.
فجوة التصنيع
نقطة الضعف الأميركية الرئيسية لا تكمن في كربونات الصوديوم ذاتها، بل في القدرة التصنيعية للبطاريات. فقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية، أن الأفضلية تمتد للصين من خلال إنتاج الخلايا ومواد الكاثود والأنود والمواد الأولية. وهذا يعني أن امتلاك المادة الخام لا يكفي، ما لم تتمكن الولايات المتحدة من بناء سلسلة صناعية كاملة تحول كربونات الصوديوم إلى بطاريات تجارية.