عالم مدفون تحت الجليد.. ماذا وجد العلماء في أعماق القطب الجنوبي؟

كريترنيوز/ متابعات /وائل زكير
يخفي القطب الجنوبي تحت طبقاته الجليدية الضخمة عالماً صامتاً ومعزولاً منذ آلاف السنين. في الأعماق، حيث تنعدم أشعة الشمس ويشتد البرد إلى درجات قاسية، تكشف الحفريات العلمية عن طبقات من الجليد تحفظ في داخلها سجلاً دقيقاً لتاريخ الأرض، وفقاعات هواء قديمة تروي قصة الغلاف الجوي عبر العصور. وبين هذه العزلة التامة، تظهر بحيرات مدفونة ورواسب نادرة وميكروبات قادرة على البقاء في ظروف شبه مستحيلة، لتمنح العلماء نافذة فريدة على بيئة لم تتغير منذ زمن بعيد.
وفي هذا السياق، نجح فريق صيني في اختراق أكثر من 3.4 كيلومترات من الجليد في القارة القطبية الجنوبية، ليصل إلى بحيرة مدفونة ظلت معزولة عن العالم الخارجي منذ عصور ما قبل التاريخ. وأعلنت وزارة الموارد الطبيعية الصينية عن هذا الإنجاز، وفقاً لتقرير نشرته تشاينا ديلي، مؤكدة أن عمق الحفر بلغ 3413 متراً، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 2540 متراً. وأوضحت الوزارة أن هذه التقنية تمنح الباحثين القدرة على الوصول إلى أكثر من 90% من الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي، بل وتمتد إمكانياتها لتشمل كامل الغطاء الجليدي في القطب الشمالي.
وفي أوائل فبراير 2026، استخدمت البعثة الصينية الثانية والأربعون تقنية الحفر بالماء الساخن لاختراق الغطاء الجليدي الهائل، حتى وصلت إلى عمق بلغ 3413 متراً فوق بحيرة كيلين الجليدية، إحدى أكبر البحيرات المخفية تحت الجليد في القارة، والتي تقع في منطقة نائية تُعرف باسم أرض الأميرة إليزابيث، على بُعد نحو 120 كيلومتراً من محطة تايشان الصينية. وتعتمد هذه التقنية على ضخ مياه شديدة السخونة بضغط عالٍ لإذابة الجليد تدريجياً، ما يسمح بإنشاء ممر عمودي نظيف وسريع دون الحاجة إلى أدوات ميكانيكية قد تُلوث البيئة، وهو أمر بالغ الأهمية عند دراسة بحيرات معزولة.
وتُعد هذه الطريقة أقل إضراراً بالبيئة مقارنة بالحفر الميكانيكي التقليدي، إذ تقلل من خطر نقل الملوثات أو الميكروبات السطحية إلى الأعماق، وتوفر قناة نظيفة لاستكشاف بيئات شديدة الحساسية. وقد واجه الفريق تحديات كبيرة، من بينها الحفاظ على استقرار المعدات في درجات حرارة شديدة الانخفاض، والتحكم الدقيق في الخراطيم والأنظمة عبر آلاف الأمتار من الجليد، وضمان عدم تسرب أي ملوثات إلى البيئة الداخلية، وهي مشكلات لم تواجهها أي بعثة محلية سابقة، بحسب ما نقلته غلوبال تايمز.
وتكمن أهمية هذه البحيرات الجليدية في كونها كبسولات زمنية طبيعية، معزولة تماماً عن الغلاف الجوي وضوء الشمس منذ آلاف أو حتى ملايين السنين. فداخل هذه البيئات القاسية، تطورت كائنات دقيقة قادرة على العيش في الظلام والضغط الشديد، بينما يحتفظ الجليد بتركيبه الكيميائي الذي يسجل ظروف المناخ القديم، وتحتفظ الرواسب بقصص جيولوجية لا يمكن العثور عليها في السطح.
ولا يقتصر الاهتمام بهذه البيئات على علوم الأرض فقط، بل يمتد إلى علم الأحياء الفلكي، حيث تُعد هذه البحيرات نماذج مشابهة لما قد يوجد تحت الجليد في أقمار مثل أوروبا وإنسيلادوس، التي يُعتقد بوجود محيطات سائلة تحت قشورها المتجمدة، ما يفتح الباب لفهم إمكانية وجود الحياة في أماكن أخرى من النظام الشمسي، وفقا لـ ” dailygalaxy”.
ويمثل هذا الإنجاز الصيني خطوة متقدمة في مجال استكشاف القطب الجنوبي، إذ أضاف بُعداً تحت سطحياً جديداً إلى البحث العلمي المتنامي. ومن خلال اختراق جليد يتجاوز 3.4 كيلومترات، أثبت الفريق فعالية تقنية الحفر بالماء الساخن في أكثر البيئات الجليدية قسوة، وأصبحت بحيرة كيلين الجليدية تمتلك مسار وصول موثق يمكن للبعثات المستقبلية استخدامه لاستكشاف أعماقها مباشرة.
وتعكس هذه العملية مستوى متقدماً من التطور التقني، حيث تنضم الصين إلى عدد محدود من الدول التي تمكنت من تنفيذ عمليات حفر عميقة في الجليد داخل المناطق القطبية. ويمثل الوصول إلى هذه البحيرات مجرد خطوة أولى، إذ من المتوقع أن تتبعها بعثات لجمع عينات من المياه والرواسب وتحليلها، بهدف فهم أعمق لتاريخ المناخ على الأرض، وربما الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن للحياة أن تستمر في أكثر البيئات قسوة؟
في النهاية، لا يتحدث العلماء عن عالم بالمعنى الحرفي، بل عن وصف مجازي لبيئة كاملة معزولة تشبه عالماً قائماً بذاته. هناك، تحت آلاف الأمتار من الجليد، تمتد طبقات محفوظة منذ عصور بعيدة، وبحيرات مظلمة انقطعت عن السطح منذ زمن سحيق، ورواسب دقيقة تحتفظ بذاكرة المناخ القديم، وحتى كائنات دقيقة تكيفت مع غياب الضوء واشتداد البرودة. هذه المنظومة المغلقة تبدو كأنها نسخة من الأرض كما كانت قبل زمن طويل، لكنها في الحقيقة مجرد جزء مخفي من كوكبنا، تحول بفعل الجليد إلى أرشيف طبيعي حي. ولهذا يصفها العلماء أحيانًا بـ “العالم المدفون”، ليس لأنها عالم مستقل، بل لأنها نافذة نادرة على زمن وبيئة لم تعد موجودة على السطح.