منوعات

تظهر فجأة وتبتلع كل شيء… الأقمار الصناعية تكشف وحوش المحيط

كريترنيوز /متابعات /رضا أبوالعينين

 

كشفت بيانات حديثة من الأقمار الصناعية عن صحة ظاهرة “الموجات البحرية الشاذة” (Rogue Waves)، التي ظل البحّارة لقرون يصفونها بأنها أمواج عملاقة تظهر فجأة من دون إنذار، قبل أن تُعتبر لاحقا مجرد أسطورة بحرية.

 

وتشير التطورات العلمية الحديثة إلى أن هذه الظاهرة ليست خيالا، بل هي حدث حقيقي تم توثيقه علميا لأول مرة عام 1995، عندما سجلت منصة النفط “دراوبنر” (Draupner) في بحر الشمال موجة هائلة بلغ ارتفاعها نحو 80 قدما، ما أدى إلى أضرار كبيرة، لتصبح بذلك أول موجة يتم قياسها بشكل علمي مباشر في المحيط المفتوح.

 

ورغم هذا التوثيق المبكر، بقيت آلية تشكّل هذه الأمواج غير مفهومة لسنوات، إلى أن بدأت الأقمار الصناعية في تقديم بيانات دقيقة حول الظاهرة.

 

ففي عام 2001، استخدمت وكالة الفضاء الأوروبية القمر الصناعي ERS-2 لرصد وتحليل الموجات البحرية الشاذة، ما فتح الباب أمام أبحاث أوسع على مستوى العالم.

 

وفي أحدث تطور علمي، تمكن القمر الصناعي SWOT (Surface Water and Ocean Topography) في أواخر عام 2024 من رصد أمواج ضخمة يتراوح ارتفاعها بين 65 و115 قدما، مؤكّدا ليس فقط وجودها، بل أيضا قدرتها على التشكل بعيدا عن العواصف القوية، أحيانا على مسافات تمتد لمئات أو حتى آلاف الأميال.

 

وتعززت هذه النتائج عبر دراسة موسعة قادها البروفيسور فرانشيسكو فيديل، الأستاذ المشارك في كلية الهندسة المدنية والبيئية بجامعة جورجيا للتكنولوجيا، حيث قام وفريق دولي بتحليل 27,500 سجل لموجات بحر الشمال، يمتد كل سجل منها إلى 30 دقيقة من القياسات الدقيقة لارتفاع الأمواج وترددها واتجاهها.

 

وأظهرت النتائج أن الموجات العملاقة تتشكل غالبا عبر آليتين رئيسيتين، الأولى تُعرف باسم “التركيز الخطي”، حيث تلتقي أمواج مختلفة السرعات والاتجاهات لتندمج في موجة واحدة ضخمة.

 

أما الآلية الثانية فهي عملية طبيعية تعمل على زيادة حدة الموجة وارتفاعها عبر إطالة شكلها وتسطيح قاعها، ما قد يؤدي إلى زيادة ارتفاعها بنسبة تصل إلى 20%.

 

ويأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير نماذج علمية قادرة على التنبؤ بحدوث هذه الظواهر البحرية الخطيرة مستقبلاً.

 

ورغم تأكيد وجود هذه الموجات بشكل علمي، تشير بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى أنها لا تزال تُصنف كظاهرة “غير شائعة”، ومع ذلك، تؤكد الدراسات أنها أكثر حدوثا مما كان يُعتقد سابقا، وإن ظل احتمال اصطدامها بالسفن السياحية منخفضا للغاية، خاصة مع التطور الكبير في تقنيات الملاحة الحديثة وقدرة السفن على التعامل مع ظروف البحر القاسية.

 

وتشير تقارير بحرية إلى حادثة بارزة عام 1995 عندما واجهت سفينة “كوين إليزابيث 2” موجة يقدر ارتفاعها بنحو 92 قدما، وتمكنت من تجاوزها دون وقوع أي إصابات، ما يعكس قدرة السفن الحديثة على التعامل مع هذه الظواهر النادرة.

 

وبذلك، تتحول “الموجات الشاذة” من مجرد روايات قديمة للبحّارة إلى حقيقة علمية مثبتة، مدعومة ببيانات الأقمار الصناعية والدراسات طويلة الأمد، مع استمرار الأبحاث لفهم سلوكها والتنبؤ بها بشكل أدق في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى