منوعات

في أكتوبر 1582.. نام العالم واستيقظ بعد 10 أيام كاملة

كريترنيوز/ متابعات /السيد محمود المتولي

أثارت ظاهرة غريبة داخل التقويم الرقمي في هواتف آيفون.. فضول عدد من المستخدمين حول العالم، بعد ملاحظة اختفاء عشرة أيام كاملة من شهر أكتوبر عام 1582، إذ يقفز التاريخ مباشرة من الرابع من أكتوبر إلى الخامس عشر منه، وكأن هذه الأيام لم توجد يوماً في التاريخ.

ورغم أن الأمر يبدو للوهلة الأولى كخلل تقني أو خطأ برمجي، فإن الحقيقة مختلفة تماماً، فهذه الأيام العشرة لم توجد فعلياً في عدد من الدول الأوروبية خلال ذلك العام، نتيجة واحد من أهم التحولات الزمنية في التاريخ الحديث وهو الانتقال من التقويم اليولياني إلى التقويم الغريغوري وفق iflscience..

قبل القرن السادس عشر، كانت معظم دول أوروبا تعتمد التقويم اليولياني، الذي وضعه الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر عام 45 قبل الميلاد، وكان هذا التقويم يعتمد على دورة شمسية تتكون من 365 يوماً مع إضافة يوم كبيس كل أربع سنوات.

لكن المشكلة أن الحسابات الفلكية في التقويم اليولياني لم تكن دقيقة بالكامل، إذ كان يزيد عن السنة الشمسية الحقيقية بفارق بسيط جداً لا يتجاوز دقائق معدودة سنوياً، ومع مرور القرون، تراكم هذا الخطأ تدريجياً حتى أصبح الفرق بين التقويم والفصول الطبيعية نحو عشرة أيام كاملة بحلول القرن السادس عشر.

أصبح هذا الخلل مشكلة كبيرة بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، لأن موعد عيد الفصح يعتمد على الاعتدال الربيعي، والذي كان من المفترض أن يحل في 21 مارس وفق قرارات مجمع نيقية عام 325 ميلادية.

بحلول عام 1582، أصبح الاعتدال الربيعي يحدث فعلياً في 11 مارس بدلاً من 21 مارس، ما أدى إلى اضطراب حسابات الأعياد الدينية، وعلى رأسها عيد الفصح.

ولحل الأزمة، قرر البابا غريغوري الثالث عشر اعتماد نظام تقويم جديد أكثر دقة، عُرف لاحقاً باسم “التقويم الغريغوري”، وهو النظام المستخدم اليوم في معظم أنحاء العالم.

اختفاء الأيام العشرة

لتصحيح الفارق المتراكم، كان لا بد من حذف عشرة أيام كاملة من التقويم، وهكذا، بعد يوم الخميس 4 أكتوبر 1582، استيقظ الناس في بعض الدول الأوروبية على يوم الجمعة 15 أكتوبر مباشرة.

بمعنى آخر، فإن الفترة من 5 أكتوبر إلى 14 أكتوبر 1582 لم توجد فعلياً في تلك المناطق.

وتم اختيار شهر أكتوبر لتنفيذ التغيير لأنه لم يتضمن مناسبات دينية رئيسية تتأثر بهذا التحول.

الفرق الأساسي بين التقويمين

التقويم اليولياني كان يضيف يوماً إضافياً كل أربع سنوات بشكل ثابت، ما تسبب مع مرور الزمن في انحراف التواريخ تدريجياً عن الفصول الحقيقية.

أما التقويم الغريغوري فأصبح أكثر دقة، لأنه لا يضيف هذا اليوم لبعض السنوات الكبيرة إلا بشروط محددة، ما ساعد على بقاء التقويم متوافقاً مع حركة الأرض حول الشمس بشكل أدق.

لماذا تظهر الظاهرة على الهواتف الحديثة؟

تعتمد تطبيقات التقويم الحديثة، بما فيها أنظمة آيفون وأندرويد، على التسلسل التاريخي الحقيقي للتقويم الغريغوري، لذلك عند الرجوع إلى أكتوبر 1582 تظهر الأيام المحذوفة كما حدث تاريخياً بالفعل، ولهذا السبب يقفز التقويم من 4 أكتوبر مباشرة إلى 15 أكتوبر.

العالم لم يتغير دفعة واحدة

رغم اعتماد الكنيسة الكاثوليكية للتقويم الجديد عام 1582، فإن كثيراً من الدول لم تنتقل إليه في الوقت نفسه.

فبعض الدول البروتستانتية والأرثوذكسية استمرت في استخدام التقويم اليولياني لعقود، بل لقرون لاحقة.

ومن الأمثلة اللافتة، ألاسكا التي لم تعتمد التقويم الغريغوري إلا عام 1867 بعد انتقالها من الحكم الروسي إلى الأمريكي، ما اضطرها أيضاً إلى حذف عدة أيام من تقويمها للتوافق مع النظام الجديد.

إرث مستمر

ورغم مرور أكثر من أربعة قرون على هذا التحول، ما زالت آثاره تظهر حتى اليوم في أنظمة التقويم الرقمية والوثائق التاريخية، ليبقى اختفاء عشرة أيام من أكتوبر 1582 واحداً من أغرب الأحداث الزمنية التي شهدها التاريخ البشري.

زر الذهاب إلى الأعلى