منوعات

“جروبات الماميز” من محادثة عن علبة بسكويت إلى ساحة معركة رقمية

كريترنيوز /متابعات /مرفت عبدالحميد

 

في مجموعات الدردشات، هناك مجموعات عائلية قد تبدو شديدة الحساسية، وأخرى مخصصة للعمل قد تتحول إلى ساحة للتوتر والخلاف، لكن مجموعات أمهات أطفال المدارس تبدو وكأنها تنتمي إلى فئة خاصة من التعقيد، فهي تجمع عشرات الأمهات اللواتي قد لا يعرف بعضهن بعضاً، ويختلفن في أساليب التربية وقواعد التغذية والأولويات، بينما يجمعهن أمر واحد وهو أطفالهن في ذات المدرسة الواحدة.

 

وخلال الأسبوع الماضي، ألقى مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي نظرة على واحدة من أكثر مجموعات الأمهات إثارة للجدل، بعد أن نشرت صانعة محتوى تعرف باسم AshleighJamz سلسلة من الرسائل النصية سرعان ما انتشرت على نطاق واسع، لتتحول إلى ما بات يعرف على الإنترنت باسم أوريو غيت (Oreo-gate).

 

قواعد أساسية

وتبدأ القصة برسالة من أم تدعى «ميشيل» إلى مجموعة تضم أمهات أطفال في مرحلة رياض الأطفال، تقترح فيها الاتفاق على «بعض القواعد الأساسية» المتعلقة بعلب الطعام المدرسية، وأبرزها طلبها ألا يرسل أحد بسكويت أوريو إلى المدرسة تحت أي ظرف.

 

وقد تبدو الرسالة، للوهلة الأولى، مجرد طلب بسيط يتعلق بالطعام المدرسي، إلا أن ما تبعها حول الموضوع إلى دراما رقمية متكاملة استحوذت على اهتمام الملايين.

 

انتقادات

سرعان ما تطورت المحادثة إلى سلسلة من الحلقات التي تضمنت اتهامات بالتلاعب بمحتويات علب الطعام، وتدخل المدرسة، ورسائل جانبية بين الأمهات تضمنت انتقادات حادة لميشيل، قبل أن تصل القصة إلى ذروتها مع ظهور ما أطلق عليه المشاركون اسم “عملية أوريو”، وهي خطة انتقامية لإرسال البسكويت مع أطفال الأمهات الأخريات إلى المدرسة، في تحد واضح لطلب ميشيل.

 

مسلسل قصير

وتجاوزت القصة حدود مجموعة الدردشة، بعدما تحولت إلى مسلسل قصير على منصات التواصل الاجتماعي، بلغ عدد أجزائه أكثر من 20 حلقة، وحصدت المقاطع مجتمعة أكثر من 60 مليون مشاهدة، لتثير موجة من التعليقات والمقالات والنقاشات حول حدود تدخل الأهل، وحرية الاختيار في تغذية الأطفال، وطبيعة العلاقات داخل مجموعات الأمهات.

 

ورغم الانتشار الهائل للقصة، تظل حقيقة «أوريو غيت» موضع تساؤل، إذ تشير معطيات إلى احتمال أن تكون جزءاً من حملة تسويقية غير مباشرة.

 

فالرسائل التي ظهرت في المقاطع جرى تحويلها إلى محتوى موسيقي باستخدام أغانٍ أنشأها تطبيق الذكاء الاصطناعي الموسيقي Suno، فيما أكدت الشركة أن لديها شراكة مدفوعة مع صانعة المحتوى AshleighJamz، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن صناع المحتوى يحتفظون بالسيطرة التحريرية على ما ينشرونه.

 

أما شركة أوريو، فأكدت أنها لم تكن وراء المحادثة التي انتشرت عبر الإنترنت، لكنها قالت إنها «سعيدة» بالاهتمام الذي حظيت به القصة، ولم تستجب صانعة المحتوى المذكرة أنفا، لطلب التعليق على حقيقة القصة أو تفاصيل إنتاجها.

 

وبغض النظر عن كون القصة حقيقية بالكامل أو جزءاً من استراتيجية تسويقية ذكية، فإنها نجحت في الوصول إلى ما هو أبعد من الإعلان التقليدي، لأنها لامست تجربة يعرفها كثير من الآباء والأمهات وهي التوتر الكامن في مجموعات الدردشة المدرسية.

 

ظاهرة اجتماعية

تكشف القضية جانباً من ظاهرة اجتماعية مهمة، فمجموعات الأمهات لم تعد مجرد وسيلة لتبادل المعلومات بشأن الواجبات المدرسية أو مواعيد الأنشطة، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها آراء مختلفة حول التربية والتغذية والانضباط والحدود التي ينبغي أن يلتزم بها كل طفل.

 

وفي مجموعة واحدة قد تجتمع أمهات تتبنى كل منهن فلسفة مختلفة في تربية أطفالها، وتتباين مواقفهن من السكر والطعام الصحي، واستخدام الأجهزة الإلكترونية، والخصوصية، والانضباط، وحتى طريقة مخاطبة الأطفال.

 

ومع غياب لغة الجسد ونبرة الصوت التي تساعد عادة على تفسير الكلام، يمكن لعبارة قصيرة في رسالة نصية أن تبدو أكثر حدة مما قصدها صاحبها، فيما قد يتحول خلاف صغير إلى أزمة واسعة بمجرد انتقال النقاش إلى محادثات جانبية.

 

ضغط الجماعات

ورغم الطابع الكوميدي الذي غلب على تفاعل الجمهور مع القصة المذكورة، فإنها أثارت نقاشات أكثر جدية حول الحدود الشخصية في التربية، وحق الأهل في اتخاذ القرارات المتعلقة بأطفالهم، وتأثير ضغط الجماعة على خيارات الأسرة.

 

كما أعادت طرح سؤال مهم وهو ” إلى أي مدى ينبغي لمجموعات الأمهات” أن تتدخل في تفاصيل حياة الأطفال، ومتى تتحول الرغبة في حماية الأطفال إلى فرض قواعد على أسر أخرى؟.

 

وبينما تستمر حلقات «أوريو غيت» في جذب المشاهدين، تبدو القصة مثالاً لافتاً على الطريقة التي يمكن أن يتحول بها موقف يومي صغير،ـ مثل علبة بسكويت في حقيبة طفل ، إلى ظاهرة رقمية ضخمة، تكشف في الوقت نفسه قوة وسائل التواصل الاجتماعي، وتعقيدات العلاقات بين الأمهات، وحدود التربية في عصر مجموعات الدردشة.

 

وفي النهاية، يفرض سؤالا مهما نفسه وهو ” من يملك حق وضع القواعد لأطفال الآخرين؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى