281 درجة مئوية تحت الماء.. بركان قبالة أمريكا يولّد الكهرباء

كريترنيوز/ متابعات /السيد محمود المتولي
نجح فريق أمريكي في تشغيل مولد كهربائي اعتماداً على حرارة بركان نشط في قاع المحيط الهادئ، محققاً فائضاً في إنتاج الكهرباء تجاوز الطاقة التي استهلكها النظام لتشغيل معداته، لمدة 8.7 ثوانٍ فقط.
وتمثل التجربة خطوة أولية نحو استغلال الحرارة الجوفية في أعماق البحار مصدراً للطاقة، بعيداً عن الاعتماد على الشمس والرياح، ومن ثم تفتح في الوقت نفسه أسئلة حول قدرة هذه التقنية على العمل بصورة مستمرة وتأثيرها في البيئة البحرية.
1500 متر تحت سطح البحر
وأعلنت شركة «إندورانس إنرجي» الأمريكية، ومقرها سياتل، وفق موقع «ScienceAlert» نتائج تجربتها التي حملت اسم «أديلي» في 19 أكتوبر، بعد اختبار أُجري في 27 سبتمبر عند بركان «أكسيال سيماونت» المغمور، الواقع على بعد نحو 480 كيلومتراً قبالة ساحل ولاية أوريغون الأمريكية، ويقع موقع التجربة على عمق يقارب 1500 متر تحت سطح البحر، حيث تندفع مياه شديدة السخونة من فتحات حرارية في قاع المحيط.
وتستمد هذه المياه حرارتها من الصخور المنصهرة الموجودة أسفل البركان، إذ تتسرب مياه البحر إلى شقوق في قاع المحيط، وتسخن في الأعماق، ثم تعود إلى المياه عبر فتحات تعرف باسم الفوهات الحرارية المائية. وتصل حرارة المياه في هذه المواقع إلى مستويات مرتفعة للغاية، ما يجعلها مصدراً محتملاً للطاقة الحرارية الجوفية.
محطات الطاقة الحرارية الجوفية
ولتحويل هذه الحرارة إلى كهرباء، استخدم المهندسون مولداً يعتمد على مبدأ محطات الطاقة الحرارية الجوفية المعروفة على اليابسة، حيث تدفع المياه الساخنة أو البخار توربيناً يدور بسرعة، فيحوّل الطاقة الحرارية إلى حركة ميكانيكية تشغّل مولداً كهربائياً، لكن نقل هذه التقنية إلى قاع المحيط تطلب تجهيزات قادرة على تحمل الضغط الهائل والظروف الصعبة في الأعماق.
وبدأ الفريق بحفر بئر تمتد 16 متراً أسفل قاع البحر، وتركيب أنبوب داخله وتثبيته بالإسمنت، ثم ضخ المياه الساخنة عبر المنظومة، وخرجت المياه من البئر بدرجة حرارة بلغت نحو 260 درجة مئوية، إلا أن تدفقها كان محدوداً ولم يكن كافياً لتشغيل المولد، لذلك ربط المهندسون نظام «أديلي» بفتحة حرارية طبيعية قريبة، لتوفير تدفق المياه اللازم لإجراء الاختبار.
281 درجة مئوية
وخلال التجربة، بلغت حرارة المياه نحو 281 درجة مئوية، ووصلت سرعة التوربين إلى قرابة 26 ألف دورة في الدقيقة. وعلى الرغم من أن درجة الحرارة تجاوزت بكثير نقطة غليان المياه عند سطح البحر، فإن الضغط المرتفع في هذا العمق يسمح لها بالبقاء في الحالة السائلة عند درجات حرارة أعلى بكثير من 100 درجة مئوية.
وأظهرت النتائج أن النظام تمكن خلال فترة التشغيل التي استمرت 8.7 ثوانٍ من إنتاج كهرباء تزيد على احتياجاته التشغيلية، بعد احتساب الطاقة التي استهلكتها المضخات والمكونات الأخرى. ووفقاً لبيانات الشركة، بلغ متوسط فائض الطاقة نحو كيلوواطين، فيما وصل الفائض في ذروة التشغيل إلى 16.5 كيلوواط.
إنتاج طاقة صافية
وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها لا تقتصر على إثبات قدرة الحرارة البركانية في أعماق البحار على تشغيل توربين، بل تشير أيضاً إلى إمكانية إنتاج طاقة صافية بعد خصم الكهرباء التي تستهلكها المعدات اللازمة لتشغيل النظام. ومع ذلك، فإن مدة الاختبار القصيرة لا تكفي للحكم على كفاءة التقنية على المدى الطويل أو قدرتها على توفير إمدادات مستقرة من الكهرباء.
وسبق أن نجح باحثون في توليد الكهرباء من الفوهات الحرارية الموجودة في قاع المحيط، إذ عرض فريق صيني في دراسة نشرت عام 2016 بدورية «Applied Energy» جهازاً يستفيد من الفرق في درجات الحرارة بين المياه الساخنة المنبعثة من الفوهات ومياه البحر الباردة المحيطة بها. وأنتج الجهاز خلال اختباره الميداني ما بين 2.6 و3.9 واط بصورة مستمرة، وهي كمية كافية لتشغيل مسجل بيانات ومصباح صغير.
لكن تجربة «إندورانس إنرجي» تستهدف تطوير نظام أكبر يمكنه إنتاج الكهرباء بكميات تفوق احتياجات أجهزة الاستشعار والمعدات العلمية، وصولاً إلى إمداد المستهلكين على اليابسة. وتعمل الشركة على تطوير مشروعها التجاري الأول في تونغا، وهي دولة جزرية في المحيط الهادئ تعتمد شبكتها الكهربائية بدرجة كبيرة على الديزل المستورد، وتستهدف بدء إنتاج الكهرباء هناك خلال عام 2027.
الاختبار لم يستمر طويلاً
غير أن الاختبار لم يستمر طويلاً، إذ توقف النظام بعدما فعّل جهاز أمان لحماية البطارية من ارتفاع التيار الكهربائي إلى مستويات تتجاوز الحدود المسموح بها. وبعد نحو عشر دقائق، تعطل كابل الطاقة الخاص بإحدى المضخات خلال محاولة إعادة تشغيل المولد، وهو ما كشف عن تحديات تقنية لا تزال بحاجة إلى معالجة قبل الانتقال إلى التشغيل المستمر.
وقال أندرو ريد، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، إن المولد التالي، الذي يحمل اسم «جنتو» ويستهدف قدرة تصل إلى 100 كيلوواط، يمثل نسخة مطورة من «أديلي»، ومن المقرر نشره خلال الشتاء لاختبار إنتاج طاقة أكبر وتشغيل لفترات أطول. وأوضح أن التصميم الجديد يتضمن معالجة المشكلات التي ظهرت خلال التجربة السابقة، سواء في نظام حماية البطارية أو كابل المضخة.
أعماق 500 متر
وتخطط الشركة أيضاً لاستخدام معدات حفر جديدة خلال العام المقبل، قادرة على الوصول إلى عمق يصل إلى 500 متر، مقارنة بقدرة الحفر الحالية التي تبلغ 80 متراً، وترى أن الوصول إلى أعماق أكبر يمكن أن يساعد في توفير تدفق أعلى للمياه الساخنة، وهو أحد المتطلبات الأساسية لرفع كفاءة إنتاج الكهرباء.
ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات رئيسية أمام تحويل التجربة إلى مصدر تجاري للطاقة، أبرزها إثبات قدرة النظام على العمل بصورة مستقرة لأشهر أو سنوات، وتحقيق إنتاج مستمر من بئر محفورة بدلاً من الاعتماد على فتحة حرارية طبيعية. كما أن الأرقام التي أعلنتها الشركة تتعلق بالطاقة المنتجة أثناء تشغيل النظام، ولا تشمل الطاقة المستهلكة في نقل المعدات إلى الموقع والحفر وتركيب المنظومة، فضلاً عن أن النتائج لم تُنشر حتى الآن في دراسة علمية محكمة مستقلة.
الحياة البحرية
وتطرح التقنية أيضاً تساؤلات بيئية تتعلق بتأثير عمليات الحفر واستخراج الحرارة في الحياة البحرية المحيطة بالفوهات الحرارية. فهذه المناطق تضم كائنات دقيقة تعتمد على المواد الكيميائية المنبعثة من باطن الأرض للحصول على الطاقة، وتعتمد عليها بدورها كائنات أخرى مثل الديدان الأنبوبية وبعض الحيوانات البحرية.
وتقول الشركة إنها اختارت موقع الحفر بعيداً عن أبراج الفوهات الحرارية والكائنات القريبة منها، وإن عمليات المراقبة لم ترصد تغيرات ملحوظة في الحياة المحيطة بموقع الاختبار.
كما أرسلت أكثر من 40 عينة من المياه والصخور والمعادن إلى مختبرات مستقلة لتحليلها، لكنها أقرت بأن التأثيرات طويلة الأمد للأنظمة الأكبر حجماً لا تزال بحاجة إلى دراسة.
تقدم كبير
وتعكس التجربة تقدماً في اختبار إمكانية تحويل الحرارة المخزنة في باطن الأرض تحت المحيطات إلى كهرباء، لكنها لا تعني أن هذا المصدر أصبح جاهزاً للاستخدام التجاري.
فالاختبار الحاسم سيكون في قدرة المولدات المقبلة على العمل لفترات طويلة، وتحقيق فائض كهربائي مستقر، مع الحفاظ على البيئة البحرية المحيطة.