اقتصاد

فخ الـ 19 تريليوناً.. كيف تلتهم ” “المصيدة الناعمة” جيوب المستهلكين؟

كريترنيوز /متابعات/ رشا عبد المنعم

 

خلف بريق الشعار البراق “قسّط بلا فوائد”، يختبئ المحرك السري لواحد من أضخم جبال الديون في التاريخ الحديث. إنها “المصيدة الناعمة” التي استدرجت ملايين المستهلكين لامتصاص صدمات التضخم، قبل أن تلتفت حول رقابهم وتدفع بإجمالي الديون الشخصية نحو قمة الـ 19 تريليون دولار الفلكية؛ ليتضح أن هذا الارتياح المؤقت ليس سوى مسكن موضعي يُخفي وراءه نزيفاً مالياً صامتاً يعيد صياغة مفهوم العبودية الائتمانية.

 

تحولت ثقافة “اشترِ الآن، وادفع لاحقاً” من مجرد صرعة تسوق عابرة إلى ركيزة أساسية في تجربة الشراء الحديثة.

 

فبعد أن بدأت الفكرة قبل سنوات عبر تطبيقات ناشئة مثل “كلارنا” و”أفيرم”، باتت الميزة متاحة اليوم في أكبر المتاجر، مما يسمح للمستهلكين بتقسيط كل شيء، بدءاً من السلع الغذائية والمستلزمات المنزلية وصولاً إلى هدايا الأعياد، على دفعات قصيرة الأجل.

 

ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي الصادرة عن مؤسسة “غالوب”، فإن أكثر من نصف المستهلكين استخدموا هذه الخدمة لمرة واحدة على الأقل، حيث قفز عدد هذه القروض بنسبة هائلة بلغت 970% في غضون عامين فقط، لتصل قيمتها الإجمالية إلى 24.2 مليار دولار وفقاً لتقرير مكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي.

 

المزايا والعيوب

 

صُممت هذه الخدمة في البداية لمساعدة الفئات الشابة على التسوق دون الحاجة لامتلاك بطاقات ائتمانية أو القلق من الإضرار بسجلهم الائتماني. فالوعود بعدم وجود فوائد، وغياب الفحص الائتماني الصارم، والموافقة الفورية عند الدفع، جعلت منها واحدة من أكثر الأدوات الائتمانية مرونة وسلاسة.

 

لكن هذا الانتشار الواسع يحمل جانباً مظلماً؛ إذ أظهرت البيانات أن جاذبية هذه الخطط تزداد طردياً مع تصاعد قلق المستهلكين بشأن وضعهم المالي، مثل العجز عن سداد فواتير البطاقات الائتمانية التقليدية، ليتحول التقسيط من وسيلة راحة إلى عبء دين إضافي.

 

تؤكد البحوث الاقتصادية أن الاعتماد على هذه المنتجات ينبع من الحاجة والاضطرار لا الرفاهية أو التفضيل الشخصي. وأشارت “غالوب” إلى أن الأسر ذات الدخل المنخفض هي الأكثر استخداماً لخطط التقسيط بشكل متكرر مقارنة بالعائلات متوسطة أو مرتفعة الدخل.

 

وفي السياق ذاته، أظهر مسح أجراه الاحتياطي الفيدرالي أن 57% من مستخدمي هذه الخدمة لجدوا إليها لعدم قدرتهم على تحمل تكلفة المنتج دفعة واحدة.

 

وتصل هذه النسبة إلى 84% بين المستهلكين الذين يمتلكون تصنيفاً ائتمانياً منخفضاً (أقل من 620 نقطة)، مما يوضح كيف تزداد الحاجة للتقسيط كلما تراجع الموقف المالي للمستهلك.

 

غرامات التأخير

 

رغم أن هذه الخطط تبدو مغرية لعدم فرضها فوائد مباشرة، إلا أن التعثر في مواعيد السداد يفتح الباب أمام غرامات مرتفعة. وأفاد مكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي بأن متوسط غرامة التأخير لعام 2023 بلغ نحو 10 دولارات للدورة الواحدة، وهو رقم يتراكم سريعاً بالنظر إلى أن نصف مستخدمي الخدمة تقريباً يعترفون بالوقوع في فخ التأخر عن السداد لمرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي وفقاً لبيانات مؤسسة “ليندينغ تري”.

 

دخلت الأزمة منعطفاً جديداً بعد إعلان مؤسسة “فيكو” – وهي الجهة الرئيسية لجدولة التصنيفات الائتمانية في الولايات المتحدة – عن البدء في إدراج بيانات “الشراء الآن والدفع لاحقاً” ضمن حساباتها الائتمانية.

 

ورغم أن الدفعات المتأخرة قد لا تظهر في التقارير الائتمانية إلا بعد مرور 30 يوماً على موعد استحقاقها، فإن إدراج هذه الإخفاقات سيلقي بظلاله الثقيلة على متوسط درجات الائتمان المتراجعة بالفعل، خاصة بين الفئات الأقل دخلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى