اقتصاد

ترويض العولمة.. كيف تعيد الولايات المتحدة تعريف العالم؟

وقف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، مساء الثلاثاء الماضي، أمام النادي الاقتصادي في نيويورك ليتلو ما يشبه النعي لمصطلح “العولمة” الذي تسيد خلال العقود الثلاثة الماضية؛ بوعوده للعالم بأنّ السلع الأرخص والاندماج الأعمق سيجعلانه أكثر ثراءً وأماناً.. قال بيسنت إنّ ذلك الوعد لم يصدق، وإنّ صنّاع السياسات افترضوا خطأً أنّ الأسعار المنخفضة ستعوّض عن فقدان الطاقة الإنتاجية.

 

ثمّ نطق بالجملة التي تختصر فلسفة المرحلة الجديدة: «الأمّة التي تعتمد على خصومها في المدخلات الحيوية ليست ذات سيادةٍ حقّة، والأمّة التي تختزل اقتصادها في الاستهلاك ليست مزدهرةً حقّاً».

 

لم تمت العولمة كما يتوهم البعض، لكنها انتقلت من ملكيةٍ إلى أخرى؛ خرجت من يد الشركات والأسواق، ودخلت دهاليز الأجهزة الأمنية وسراديب السياسة.

 

صدمات متراكمة

لم تعد العولمة مشروعاً اقتصادياً تقوده كلفة الإنتاج، لقد أصبحت هندسةً أمنية تقودها المخاوف من الصين، ومن الحروب، ومن الأوبئة، ومن المضائق، ومن انقطاع سلاسل الإمداد. وهذا التحوّل ليس وليد مزاجٍ “ترامبي” عابر، بل ثمرة سلسلةٍ من الصدمات المتراكمة التي أعادت تعريف المفاضلة بين الكفاءة والأمان.

 

والدليل على عمق هذا التحوّل أنّ حزبي الولايات المتحدة اللذين يتناوبان على قيادتها منذ عشرات السنين يتوافقان في النظرة إلى العولمة. فالقلق الذي عبّر عنه بيسنت، وزير خزانة إدارةٍ جمهورية، يكاد يكون استنساخاً لقلقٍ سبق أن صاغه الديمقراطيون. ففي 2023، انتقد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، الافتراض الذي ساد عقوداً بأنّ «الأسواق تخصّص رأس المال دائماً بكفاءةٍ وفعالية»، وأنّ سلاسل الإمداد صامدةٌ في كلّ أزمة. وحين يردّد بيسنت اليوم المعنى ذاته، يتّضح أنّ المسألة تجاوزت شخص ترامب أو بايدن إلى إجماعٍ أمريكيٍّ عميق على فكرة أن “الانفتاح الاقتصادي غير المشروط صار خطراً أمنياً”.

 

أدوات الترويض

لفهم كيف يُعاد ترويض الاقتصاد، لا بدّ من تفكيك المفردات الجديدة التي تقود المشهد، بلغة الواقع لا بلغة مراكز الأبحاث ومن أبرزها:

 

إعادة التوطين (Reshoring): والتي تعني أن تعود المصانع إلى الوطن ولو كانت كلفتها أعلى. والمثال الأبرز قانون الرقائق الأمريكي (CHIPS Act) الذي رصد عشرات المليارات لإغراء صناعة أشباه الموصلات بالعودة إلى الداخل الأمريكي؛ إذ التزمت شركاتٌ بأكثر من 540 مليار دولارٍ من الاستثمارات المحلّية في هذا القطاع وحده.

 

التجارة في دائرة الأصدقاء (Friend-shoring): ويقضي ذلك بأن تتاجر مع من تثق به سياسياً، لا مع من يمنحك السعر الأرخص. وهنا تحلّ المكسيك والهند وفيتنام محلّ الصين تدريجياً. وقد بلغ هذا التحوّل ذروته الرمزية في 2023، حين تجاوزت المكسيك الصين لتصبح أكبر مصدّرٍ للسلع إلى الولايات المتحدة، في إشارةٍ إلى انزياحٍ كبير في جغرافيا التجارة.

 

الارتداد الإقليمي (Near-shoring): والذي يعني تقريب سلاسل الإمداد من أسواقك ومناطق نفوذك، بدلاً من تركها معلّقةً في أقصى الأرض.

 

نهاية وهم «السلعة الرخيصة»: وهي الخلاصة التي تجمع ما سبق. فالحكومات الغربية باتت تقبل اليوم بإنتاج سلعٍ كلفة تصنيعها أعلى، مقابل ضمان عدم انقطاعها في أوقات الأزمات. ويقدّر اقتصاديون أنّ إعادة التوطين الكامل للصناعات الحرجة قد تضيف ما بين نقطةٍ وثلاث نقاطٍ مئوية إلى أسعار المستهلك في القطاعات المتأثّرة.

 

الخاسر الصامت

وسط هذا الحديث عن الدول والممرات والمصانع، يغيب غالباً “بطلٌ صامت” هو المستهلك العادي. فهو من سيدفع، في النهاية، فاتورة العولمة المروَّضة. لأنّ السلعة الآمنة أغلى من السلعة الرخيصة بالضرورة؛ وحين تختار الدولة مصنعاً قريباً وموثوقاً بدلاً من مصنعٍ بعيدٍ وزهيد، فإنّ الفارق يظهر في أسعار السيارات والهواتف والدواء والغذاء والطاقة. باختصار؛ العولمة القديمة وعدت المستهلك بالسعر الأرخص.. أمّا العولمة الجديدة فتطالبه بأن يدفع ضريبة الأمان.

 

الجغرافيا تنتقم

افترضت العولمة القديمة أنّ البحر مفتوحٌ دائماً، وأنّ السفن تمرّ بلا عائق، وأنّ المضائق محايدة. لكنّ هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق تايوان والبحر الأسود أثبتت جميعها أنّ للجغرافيا كلمتها التي يجب أن يسمعها الاقتصاد. اكتشفت العولمة أنّ السفينة لا تسير في خرائط التجارة بل في واقع أشبه بحقل ألغام، يمكن أن ينفجر أحدها في أي لحظة ليعطل سلاسل الإمداد.

 

هاجس «التركّزات الخطرة» و«نقاط الاختناق الأجنبية» ظهر جلياً في خطاب بيسنت نفسه، حين دعا إلى التنويع حتى لا تبقى أمريكا «تحت رحمة نقطة اختناقٍ أجنبية». والمقصود بناء شبكات إمدادٍ إقليميةٍ أقصر وأكثر أماناً، تقلّل الاعتماد على ممراتٍ بحريةٍ باتت ساحاتٍ مفتوحةً للصراع. وتتضح خطورة الرهان حين نعلم أنّ اقتصاديين يقدّرون أنّ سيناريو حصارٍ صينيٍّ لتايوان وحدها قد يكلّف الاقتصاد العالمي نحو 2.7 تريليون دولارٍ من الخسائر في عامه الأول فقط، إذا علمنا أن تايوان تصنع الجزء الأعظم من رقائق العالم المتقدّمة.

 

شراكة مشروطة

في العولمة القديمة، كانت الشراكة مع أمريكا تحالفاً مرناً، أمّا اليوم فقد تحوّلت إلى بروتوكولٍ مشروطٍ بامتيازاتٍ تجاريةٍ واضحة. وهذا ما لخّصه بيسنت بقوله إنّ الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة «باتت تحمل التزاماتٍ ومتطلّبات»، مضيفاً في نبرةٍ لا تخلو من تهديد: «تملك الولايات المتحدة أدواتٍ كثيرة لمعالجة الممارسات التي تشوّه التجارة وتقوّض المعاملة بالمثل، وسنسعى دوماً إلى استخدامها بحكمة، لكنّنا لن نتردّد أبداً في استخدامها بحزم».

 

ومثالٌ حيٌّ على هذا المنطق التبادلي اتفاقٌ وُقّع مطلع 2026 بين واشنطن وتايوان، التزمت بموجبه شركات التقنية التايوانية بضخّ استثماراتٍ ضخمةٍ في الداخل الأمريكي، مقابل خفض الرسوم الجمركية على صادراتها.

 

تمرد الثقافة

جوهر المشهد، وأعمق مفارقاته يكمن في الثقافة، فالدولة تستطيع أن تفرض رسوماً جمركية على الرقائق والسيارات والصلب، لكنّها تقف عاجزة عن أن تفرض تعريفة على الخوارزميات، أو أن توقف مقطع فيديو عند الحدود، أو أن تمنع نموذج ذكاءٍ اصطناعيٍّ من إعادة تشكيل اللغة والذائقة والوعي.

 

تأمّل التقابل هنا؛ حاوية شحنٍ ترتطم بالجمارك والحدود السياسية، تنتظر التفتيش والتخليص والرسوم؛ بينما شفرةُ ذكاءٍ اصطناعيٍّ أو مقطعُ فيديو يعبر القارّات في جزءٍ من الثانية.

 

لكنّ الصورة ليست مطلقة. فالدول، وإن عجزت عن إغلاق الثقافة الرقمية كلّياً، تحاول إعادة توجيهها عبر حظر التطبيقات، وقوانين البيانات، و«السيادة الرقمية»، وتوطين مراكز البيانات داخل حدودها. أي أنّ الثقافة الرقمية ليست حرّةً بالكامل، لكنّها أعصى على الترويض من السلع. وهكذا تترتّب مستويات العالم الجديد على ترويض الاقتصاد بالرسوم والجمارك والمصانع. وترويض التكنولوجيا جزئياً بالبيانات والخوادم والتشريعات.. ويبقى الوعي أشد العناصر تمرّداً وأعصاها على التقييد والترويض.

 

خط زمني

ما نشهده الآن محطّةً في مسارٍ طويلٍ تراكمت حلقاته على مدى ثلاثة عقود. فبين عامَي 1990 و2008 سادت العولمة المتفائلة، حين بدت التجارة الحرّة قدراً لا يُردّ، وصارت الصين مصنعاً للعالم بلا منازع. ثمّ جاءت الأزمة المالية عام 2008 لتهزّ الثقة في عصمة السوق وقدرته على تصحيح نفسه. وبحلول 2016، أعلن صعود ترامب لسدة الحكم في البيت الأبيض وتصويت “بريكست” عودة القومية الاقتصادية إلى الواجهة. وما إن حلّ عام 2020 حتى كشفت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد، إذ كفى أن تُغلق المصانع الصينية أبوابها حتى تعطّل العالم بأسره. وفي 2022 أعادت حرب أوكرانيا الطاقة والغذاء إلى صميم حسابات الأمن القومي. ومنذ 2023 وحتى اليوم، تكفّل الذكاء الاصطناعي والرقائق بتحويل التكنولوجيا إلى ساحة صراعٍ سياديٍّ مكشوف، لتكتمل ملامح عالمٍ هاجسه الأمان.

 

ضغط وفرصة

تقف منطقتنا في قلب هذه المعادلة، وأمامها خياران؛ إما أن تعتبرها تهديداً أو تتعامل معها كفرصة. أمّا التهديد، فأن تُصنّف صادراتها من النفط والكيماويات والأسمدة بوصفها «تركّزاتٍ خطرة» يجد الغرب نفسه مجبراً على تنويع مصادره بعيداً عنها، لتقع دول المنطقة تحت وطأة اختيارٍ قاسٍ بين الاستثمارات الصينية والشراكات الأمنية الغربية.

 

وأمّا الفرصة، فأعمق وأبعد أثراً.. إذ تطرح العولمة المروَّضة على المنطقة، وخاصّةً دول الخليج التي أثبتت قدرتها على تبني رؤى مستقبلية، أسئلةٍ مصيرية جوابها يحدده فهم العولمة المروَّضة التي تحتاج، بطبيعتها، إلى مناطق موثوقةٍ ومستقرّة، ذات بنيةٍ تحتيةٍ قوية وموقعٍ جغرافيٍّ وسيط. وهي مواصفاتٌ نجحت دولٌ خليجيةٌ عدّة في تحقيقها.

 

وهكذا يتشكّل العالم الجديد كما يريده ترامب؛ قلاع سياسية واقتصادية شبه مغلقة، وتظل مع ذلك مجبرةً على التواصل عبر نوافذ تكنولوجيةٍ وثقافيةٍ لا تقوى على إغلاقها.. بعد أن كان الوعد في التسعينيات قريةً واحدةً منفتحة.
زر الذهاب إلى الأعلى