من ليس له ماض ليس له حاضر .. توقُّف الإبداع والدندنة على أمجاد الماضي.

كريتر نيوز/ تقرير / عبد الله قردع
لوحظ مؤخراً انشغال النُخب الجنوبية خصوصاً الإعلامية بالبحث في أمجاد الماضي واستحضارها والدندنة على أطلالها مع أنها كانت مبهرة وصالحة لزمانها ولاأحد يشكك في عظمة تاريخ الأجداد وفي الإرث الحضاري والتاريخي متعدد الجوانب الرائع الذي ورثناه عنهم.
ولكن هذا لايعني أن عقارب الساعة تعود للخلف ولايعني أننا خُلقنا لأجل نقضي حياتنا كلها ندندن ونتباكى على ماضينا، ونحجب بصائرنا وأبصارنا ونقيد عقولنا ونحبسها عن مايدور في العالم المتحضِّر من حولنا لنصل إلى مرحلة الحضيض ونحن لانشعر، ثم لاتجد الأجيال القادمة شي تورثه من بعدنا غير الدندنة والتطبيل جيلا بعد جيل.
• لكل أمة تاريخ وقصص متوارثة :
يقول بعض المختصين إن الموروث عبارة عن مكسب تاريخي وحضاري ومرجعية معرفية تحدد هوية وموقع وتاريخ وحضارة الأمم السابقة، ولكل أمة تاريخ وقصة تتحدث عنها، وكانت المتاحف مكانها المناسب وليس بالضرورة ممارستها بالحياة اليومية أو التوقف عندها، وهناك مقولة أوروبية تقول (ما أصعب أن تقف فيما يسير الآخرون) حيث أغلب الموروثات لاتصلح للاستخدام في العصر الحديث، عصر جوجل والصناعات الإلكترونية الدقيقة والروبوتات وأجهزة التحكُّم والسيطرة والتعليم عن بعد وغيره من الإبداع المستمر بكافة المجالات.
• ركود واكتفاء بالمراهنة على الماضي :
للأسف الشديد أنه في ظل الضجيج العلمي الدائرة رحاه في العالم لايزال بعضنا قابعا في جلباب الأجداد يراهن على أمجادهم ويدندن عليها وتوقفت عجلة حياته عند قصة أجداده.
صحيفة «سمانيوز» التقت عدداً من شباب الجنوب الذين قالوا إنّ ذلك الركود والاكتفاء بالنبش في الماضي والمراهنة والدندنة عليه لعدة أسباب أهمها :
إغلاق أفق الإبداع أمام الشباب الجنوبي وإشغاله بأمور معيشية، مع العلم أن أفق المستقبل أوصدت أبوابها في وجه شباب الجنوب بحواجز وأزمات محبطة وكسرت جناحيه ومنعته من التحليق في الأفق العلمي المعاصر البعيد واللحاق بقافلة الثورة العلمية الإلكترونية الحاصلة من حولنا، وانصب تفكير وطموح أغلب شباب الجنوب على كيفية الحصول على لقمة العيش لإعالة نفسه وأسرته والنفاذ بجلودهم من المجاعة أو من السقوط في براثن التسوُّل، ولجأو إلى استخدام كافة مهاراتهم وإبداعاتهم في ابتكار أشياء تبقيهم على قيد الحياة والعيش بكرامة.
• لايوجد تشجيع وتحفيز للمبدعين :
ويرى البعض أنه لايوجد تشجيع ولاتحفيز ولاجوائز تنافسية تضعها الدولة للمبدعين في مجالات معينة تسميها الدولة، وتضع لأجلها جائزة كبيرة تحفِّز الشباب على التنافس والإبداع والسعي إلى تحقيقها والنظر للأمام وبات الإبداع الحقيقي مجرد غرور وضرباً في الخيال في نظر بعض السلبيين، ما أصاب الشاب الطموح المبدع بالإحباط والخوف من الفشل أو الخوف من عدم القبول بأفكاره الإيجابية في ظل إقبال المجتمع على استحضار وتعظيم الماضي وإحيائه وممارسته بأرض الواقع، وتحفيز وتشجيع كل من يستحضره يقابله تحقير الأفكار الجديدة والتقليل من شأنها وبات البحث في غياهب الماضي إبداع يستاهل التشجيع والجوائز الكبيرة.
• العيش في جلباب الأجداد والمضي على دربهم :
فيما يرى البعض أن بعضاً من الشباب اقتنع بالعيش في جلباب الأجداد والمراهنة على أمجادهم والمضي على دربهم عن قناعة تامة خصوصاً في الأرياف، حيث لايزال الموروث القبلي هو المهيمن ولايزال البعض يحتفظ بالبندقية التي ورثها عن جده قبل مئات السنين، ولاتزال قصص بطولات وصولات وجولات ومآثر أجداده وما رافقها من حالات غزو وقتل وما شابه ذلك من القصص حاضرة مغروسة في دماغه ويطمح إلى تجديدها من خلال تقليدهم وتوريث تاريخ مماثل للأجيال من بعده.
وأشاروا بالقول : إن هكذا حالات مماثلة تم إحياؤها على أرض الواقع عقب الوحدة المشؤومة مباشرة بعد أن كانت قد اندثرت وتم القضاء عليها إبان دولة الجنوب في ثمانينيات القرن الماضي.
• أزمات استراتيجية مفتعلة تستهدف شباب الجنوب :
وأما البعض الآخر من الشباب يرى أن الأزمات الحاصلة في الجنوب استراتيجية مفتعلة طويلة الأمد تندرج ضمن سياسة تجهيل ثقافية اقتصادية علمية إعلامية موجهة استهدفت النشئ والشباب رافقها إطالة عمر الأزمة لضمان تجهيل الجيل القادم مع الاحتفاظ بنخب مسيَّرة مادياً ارتضت لنفسها أن تكون مجرد أدوات لتنفيذ تلك السياسة المفتعلة لتبقي المجتمع مرتهنا بسلة غذائية أو إعانة شهرية عاجزا عن الإبداع أو الإتيان بجديد مع التطبيل والدندنة لماضيه المجيد، وإبقائه مقيدا مرتهنا عاش فكرياً وسياسياً واجتماعياً في ماضي دولته وأجداده فحسب، منزوع القدرة على التفكير والإبداع أو الإتيان بشي جديد تذكره الأجيال القادمة من بعده.
وبات التنقيب عن الماضي مربحا ويكفينا عناء التفكير والإبداع أو النظر للأمام، مضيفين بأن الأحداث في الجنوب تسير على قاعدة (نحن نطعمك ونبقيك على قيد الحياة ونفكر بدلاً عنك).
• العجز الداخلي ورمي الفشل على الآخرين :
ويرى البعض أن العجز نابع من داخلنا وغير مرتبط بأي سياسات مفتعلة بحسب ماذُكر آنفاً، والقصة هي أننا نرمي بفشلنا على الآخرين جزافاً وظلماً، مجرد مبررات وأعذار واهية لإخفاء فشلنا ورميه على الغير مع أن الخلل يكمن بداخلنا، مؤكدين على أن جيل الحاضر عاجز عن الإبداع أو الإتيان بجديد وكانت أزماته والمحن التي يعانيها هي من صنع يده، وعليه البحث عن مخارج وحلول داخلية، وكان العجز الكامن فينا سبباً جعلنا ندندن ونتباكى على الماضي وأوصلنا إلى مرحلة العجز الكامل عن توريث شي جميل تتفاخر به الأجيال القادمة من بعدنا ماغير تراشق اتهامات الفشل المتبادل، وكانت النتيجة توريث الدندنة للأجيال القادمة فحسب.
ودعونا في نهاية التقرير الصحفي أن نقتبس ابياتا شعرية مأثورة انشدها الإمام الشافعي رحمة الله عليه.
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضاً عيانا.