تقارير وحوارات

مصفاة عدن .. منشأة الجنوب الاقتصادية تسير عكس عقارب الساعة لماذا؟

كريترنيوز / تقرير

تزخر دولة الجنوب بالعديد من المنجزات القديمة المعاصرة من مصانع ومؤسسات ومنشآت عملاقة لا تُعد ولا تُحصى باتت اليوم مجرد أطلال وشاهد عيان على المراحل والحقب الزمنية التي مرّت من عمر الدولة الجنوبية منذ الاحتلال البريطاني مروراً بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وانتهاء بالوحدة اليمنية حتى اللحظة، ونظراً لأن القائمة تطول أخذنا مصفاة عدن أنموذجا حيا عاصر تلك الحقب ولايزال قائما يتأرجح حتى الآن.
حيث قام المحتل البريطاني للجنوب آنذاك بتحويل العاصمة عدن إلى محمية تابعة له، ونظراً لموقعها التجاري الاستراتيجي المطل على باب المندب الفاصل بين قارتي آسيا وافريقيا التي تمر عبره أغلب السفن التجارية العالمية التي عادة ما تحتاج للاستراحة والتزود بالوقود خطر للمحتل البريطاني فكرة إنشاء مصفاة لتكرير النفط الخام وإقامة ميناء لتزويد السفن بالوقود، وبالفعل شرع المحتل البريطاني في العام 1952م بالعمل على إنشاء المصفاة عبر شركة الزيت البريطانية المشهورة بي بي (BP) وتم إنجازه واستكمال بنائها في العام 1954م بطاقة استيعابية 170 ألف برميل خام في اليوم (8.5) مليون طن متري سنوياً وتعد أقدم مصفاة في الجزيرة العربية، وظلت المصفاة تحت إدارة الشركة البريطانية المذكورة حتى العام 1977م، حيث انتقلت ملكيتها إلى الدولة الجنوبية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجرى تشغيلها بكوادر وكفاءآت جنوبية واستمر العمل فيها بوتيرة عالية، كانت تغطي السوق المحلية والمصانع والمولدات الكهربائية وجميع المنشآت المدنية والحكومية والعسكرية باستمرار دون انقطاع دون حدوث اختناقات أو أزمات أو جرعات وما شابه، بل كانت الأمور مستقرة وبأسعار ثابتة منطقية مقبولة وكانت أكبر رافد للاقتصاد الجنوبي ولبنكه المركزي، وعلى الرغم من تعرضها لعدد من المؤآمرات الفاشلة لإيقافها إلا أنها ظلت تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية والإنتاجية حتى العام 1990م عام توقيع الوحدة اليمنية المشؤوم وما تلاها من مسلسل الحروب والنكبات والتدمير التصاعدي الممنهج للجنوب ومنشآته العملاقة، ففي العام 1994م تعرضت المصفاة للقصف المباشر من قبل سلاح الجو اليمني فاندلعت النيران في بعض خزانات الوقود الضخمة الواقعة غرب المصفاة أوشكت على تدمير المنشأة وإحراق العاصمة عدن بمن فيها لولا لُطف الله.
وفي العام 2015م كررت مليشيات الحوثي اليمنية نفس المشهد المدمِّر، حيث قصفت خزانات الوقود بميناء الزيت التابع للمصافي وكادت أن تحدث كارثة عظيمة، وتوالت الضربات اليمنية المباشرة وغير المباشر ضد منجزات ومعالم الدولة الجنوبية ولايزال الحقد والعدوان اليمني مستمرا ضد الموانئ والمنشآت الجنوبية حتى اللحظة ولا أحد يعلم متى تنتهي.

ماذا قال المدير التنفيذي لشركة مصافي عدن؟

وخلال لقاء صحفي أجرته إحدى الصحف الجنوبية في ال13 من نوفمبر 2022 م مع المدير التنفيذي لشركة مصافي عدن المهندس أحمد مسعد سعيد قال : مشكلة المصفاة كبيرة وبدأت منذ عام 1994م لأنها تعرضت في حرب عام 1994م لتدمير أجزاء كبيرة منها عدد من الخزانات، شبكة الأنابيب، المكتب الرئيسي لإدارة الشركة ،وغيرها من الأقسام التي تضرّرت بحرب 94م وهذا أثر سلباً على المصفاة ولكن لم تكن الضربة القاضية ،فظلت “مريضة ” أي لم تستعد نشاطها بالشكل المطلوب فمثلا نتيجة لتدمير المكتب الرئيسي لإدارة الشركة مازلنا نعيش منذ 94م في هذه الكرفانات بالإضافة إلى أنه تم بناء وترميم بعض الخزانات وشبكة الأنابيب ،وهذا أرهق المصفاة أيضاً من الناحية المادية.
وعن أضرار حرب 2015م أكد المهندس أحمد أن المصفاة تعرضت أيضاً للقصف الذي أدى إلى تدمير خزانات كبيرة من ضمنها خزان النفط الخام الذي تبلغ سعته أكثر من (50 الف طن) وخزان الغاز المسال ،وخزان وقود الطائرات (الكيروسين ) وخزان للبنزين وغيرها من الخزانات التي تعرضت للأضرار ناهيك عن شبكة الأنابيب الممتدة من المصفاة إلى ميناء الزيت وكذلك شبكة الأنابيب داخل المصفاة كل هذه الأضرار أثّرت بشكل مباشر على المصفاة وأصبحنا الآن كلما جمعنا قليلا من الأموال نعالج بها المشاكل الموجودة.

ترقيع ودحبشة في منشأة عملاقة :

وفي إجابته على الترميم أو التأهيل والصيانة للمنشأة أو لأجزاء منها؟ قال : تم ترميم جزئي فقط لأن الأماكن التي تضررت تحتاج إلى مبالغ كبيرة ونحن نحاول تسيير العمل فمثلا بعض شبكات الأنابيب التي تضررت تحتاج إلى استبدال كامل ونحن نحاول أن نقوم بتبديل المنطقة التي تضررت فقط، وبقية الأجزاء تؤجل من وقت إلى آخر ونعاني من مشاكل في التسريبات من الأنابيب وبعض الخزانات لأن تكلفة الأنبوب من ميناء الزيت إلى المصفاة تبلغ حوالي “800” ألف دولار هذه قيمة الأنبوب فما بالكم بتكاليف العمل والتركيب وغيره على حد قوله مضيفاً : وهذا يعني أن المصفاة بحاجة إلى أموال كبيرة ، وليس كما يحسب البعض أن المصفاة تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم التخزين والتي لا تفي بالوقت الحالي بالأجور والمرتبات الشهرية، وفي إجابته على أين ذهبت إيرادات أو أصول الشركة من المبالغ التي كانت متوفرة قبل الحرب؟ قال : للأسف أن الأموال التي كانت موجودة بحساب المصفاة تقريباً أنها صرفت، وحسب ما أعتقد أنها صرفت بعد الحرب بشكل كامل لأن المصفاة توقفت أما كيف صرفت ؟ وأين صرفت فلا أعلم بذلك.

تدمير أكبر صرح حضاري اقتصادي في الجنوب :

وفي ذات السياق كتب الدكتور جواد حسن حسين مكاوي مقالاً تطرّق فيه إلى واقع حال مصفاة عدن والذي سرد مقاله بالقول : ومن ضمن الحروب تدمير أكبر صرح حضاري اقتصادي وهي مصافي عدن التي أنشأت في عام ١٩٥٤م ورغم كل الظروف المحيطة بها ومعاناة موظفيها المتميزين (الذين كانوا، منهم من توفاه الله تعالى ومنهم مريض لا يقوى على الحركة ومنهم في حالة يأس) فتوقفت المصفاة بعد عمل جبار في عام ٢٠١٥ بعد فترة (٦١) عاماً فبدأت الحرب بنهب كافة المخزون الضخم من النفط ومشتقاته وبعده يحصر إعلان حكومة بن دغر عام ٢٠١٦ بيع سفن تابعة للمصافي بأسعار مخفضة جداً والعذر الذي علق على شماعته هو من أجل صيانة المصافي، وبعد ذلك قامت الكلاب المسعورة بتأجير خزانات النفط لتجار النفط أنفسهم وحتى يكمل خط التدمير تم تغيير الإدارة العامة للمصافي إلى إدارة الحبايب حتي تسهل عملية التدمير قانونياً وبدأت الكوارث تتوالى عليها فتم إحراق خزانات الطاقة وتدمير المعدات الثقيلة والأجهزة الحساسة ونهب الممتلكات والأراضي الخاصة بها فتم تجميد نشاط ميناء الزيت وتحويله إلى ميناء عسكري وعليه تم نهب أنابيب النفط والغاز التابعة للمصافي ومن ثم بيعه إلى المصافي نفسها بملايين الدولارات وامتدت الأيادي التدميرية إلى مساكب النفط التابعة للمنشأة النفطية العملاقة التي تعتبر الأولى في المنطقة العربية والخليج العربي وفي آخر مسلسل التخريب المتعمّد والمقصود واستهداف المصافي هو قرار استيراد النفط ومشتقاته لتعطيل المصفاة وإصابته بالشلل التام . فأي محاولة لتشغيل المصفاة يعني ضرب تجار النفط بمقتل لذا يتم تخريب أي مظاهر تشغيل المصافي وإعادتها إلى الحياة وبالتالي سد باب الحاجة لصرف مليارات الدولارات التي تصب في جيوب التجار وأصحاب المصالح المشتركة.

ويضيف دكتور مكاوي قائلاً :
مصادر عمالية كشفت عن دخل شهري من إيجار الخزن يتراوح ما (٥-٧) مليون دولار أي ما يعادل (٦ مليار و٣٠٠ مليون ريال يمني) وهو ما يعادل (٧٥ مليار و٦٠٠ مليون ريال يمني) في العام ، هذا من خلاف إيجار ميناء الزيت والتاجات والبواخر المتواجدة في الخارج وما خفي كان أعظم.

تشغيل المصفاة ينهي المعاناة الاقتصادية :

ويتابع الدكتور مكاوي قائلاً : وبحسب المصدر نفسه يقول إن إعادة تشغيل المصافي وعودتها لتكرار النفط الخام وإنتاج المشتقات النفطية والغاز سوف يتم حلحلة ومعالجة كافة الأزمات المفتعلة والمقصودة من أزمة بترول وديزل وغاز الطهي المنزلي وكهرباء ورواتب العمال وتخفيضات مريحة في السلع الغذائية والطبية والخدماتية واستقرار قيمة العملة المحلية أمام العملة الأجنبية، ولكن بسبب ذلك التدمير الشامل المتعمد يتم تغيير مسار سفن النفط إلى ميناء المخا وميناء الحديدة بدلاً عن ميناء الزيت في العاصمة عدن، حيث أن تدمير مصافي عدن له آثار خطيرة على الحياة المعيشية والمجتمعية للمواطن في كل مجالات الحياة بل تزيده فقراً وتعاسة ونكداً وصراعاً دائماً مع الأزمات المفتعلة والمقصودة لضرب ظهر الجنوب العربي وشعب الجنوب فلا يفكر بالتحرير ولا بالاستقلالية من براثن العدو، بل يشكّك حتى في قيادته الحكيمة ويطالب بعودة أيام الرخاء ( لعفاش) أو (الحوثة) لأنه يسمع عن استقرار صنعاء وغيرها من المناطق التي تحت سيطرتهم وهذا ما يسمع عنه أصوات فوق الطاولة فقط.
وختم دكتور مكاوي بالقول : يجب إعادة النظر في معالجة مواضيع مصافي عدن مهما كانت الظروف المحيطة بها والتكلفة وعلى قيادة الانتقالي الجنوبي التركيز على هذا الموضوع لأنه لا يوجد في الساحة الآن من هو مهتم بالجنوب ولا بشعب الجنوب غير قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.

نستطيع تشغيل المصفاة وإخراجها من عنق الزجاجة :

من جهته القيادي بانتقالي العاصمة عدن الأستاذ علي الجوهري قال : إن أردنا تشغيل المصافي وإدارة عجلة الإنتاج فيها بإرادة الله سبحانه وتعالى ثم بسواعد عمالها الأبطال نستطيع إخراجها من عنق الزجاجه مثل ما خرجت من أيدي هوامير النفط الذين سيطروا عليها وكانوا عازمين على تدميرها، ويمكننا ذلك من خلال اتخاذ جملة من الخطوات والإجراءآت منها إيجاد الاتفاقية الموقّعة بين المصافي والشركة المنفدة لبناء محطة الكهرباء الجديدة والاحتفاظ بالقديمة كأصول ثابتة، وكذا حل مشكلة الطواقم الأجنبية والارتباطات المتعلقة بهم والسفن العاملة بعيداً عن الأنظار، وكذا الجلوس مع التأمينات والشؤون الاجتماعية لحل مشكلة المتقاعدين ومديونية المصافي المتعلقة بهم، وهذه الأمور ممكن جدولتها ويجب الوقوف الجاد والدقيق في حصر القوة العاملة الفعلية دون محاباة أو محسوبية واستبعاد العمال المنقطعين دون عذر ،وكذا إيجاد حلول جذرية وفق القانون لذوي الأعذار المرضية وتحديد لوائح العلاج في الخارج هذه رؤوس أقلام، أعتقد أننا إذا ما طبقناها ممكن ننتشل المصافي من وضعها السيئ.

السير عكس عقارب الساعة :

وكأنها دعوة مظلوم أصابت الجنوبيين نتج عنها كل هذا الدمار الذي شهدته ولاتزال تشهده بلادهم ومنشآتها الاقتصادية على مدار حقب زمنية متتالية، فلم تستقر عند مستوى معين من الرقي ولكن للأسف الشديد فإن الزمن وحقبه التاريخية يسيران إلى الأمام تصاعدياً وهي تسير عكس عقارب الساعة تنازليا صوب الانهيار والهاوية وفي المقابل برزت منشآت حديثة من بعدها وليدة الأمس القريب في عدد من دول الجزيرة العربية والخليج وسارت تصاعدياً واكبت الحداثة والتطور الحاصل في العالم المعاصر وسارت مع عقارب الساعة. ياترى إلى متى تظل منشآت الجنوب الاقتصادية تتلاشى وإلى متى يظل المواطن الجنوبي يبكي على الأطلال ؟ وهل من انفراجة في الأفق القريب ؟ هل من أمل في أن تصحح حركة عقارب الساعة في الجنوب ونشهد عهداً تنموياً جديداً ؟ أم أن الخلل فينا وليس في عقارب الساعة؟.

زر الذهاب إلى الأعلى