تقارير وحوارات

رسالة مفتوحة إلى الأمم المتحدة تتساءل: متى يحين موعد الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره؟

كريترنيوز /تقرير

وجّه الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب رسالة مفتوحة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس وأعضاء مجلس الأمن وأعضاء الجمعية العامة، دعا فيها إلى إعادة النظر في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الجنوبية، وفتح مسار سياسي يتيح لأبناء الجنوب التعبير عن خياراتهم بشأن مستقبلهم بصورة حرة وسلمية وتحت إشراف دولي.
واستهل أبو الخطاب رسالته بتساؤل محوري مفاده: «متى سيسمح لشعب الجنوب بأن يقرر مستقبله بنفسه؟»، مؤكداً أن الرسالة لا تهدف إلى الدعوة للانتقام أو إشعال حرب جديدة، وإنما إلى البحث عن معالجة سياسية لقضية يقول إن جذورها تعود إلى تجربة الوحدة اليمنية وما أعقبها من حرب عام 1994م وما يصفه أبناء الجنوب بالإقصاء والتهميش.
وأشار إلى أن الوحدة اليمنية عام 1990م قامت بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، قبل أن تتعرض لاختبار الحرب عام 1994م، مستشهداً بقراري مجلس الأمن 924 و931 الصادرين آنذاك، واللذين تناولا تدهور الوضع العسكري والإنساني ودعوا إلى وقف إطلاق النار.

الحراك الجنوبي وقضية الحقوق السياسية:

وتطرقت الرسالة إلى انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007م، باعتباره بداية مرحلة جديدة من الاحتجاجات والمطالب الحقوقية والسياسية في الجنوب، والتي تطورت لدى قطاعات واسعة إلى المطالبة باستعادة دولة الجنوب.

واعتبر أبو الخطاب أن استمرار القضية الجنوبية لعقود يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المعالجة الدولية لها، متسائلاً عن أسباب استمرار التعامل معها، بحسب وصفه، باعتبارها قضية أمنية وعسكرية بدلاً من فتح مسار سياسي شامل لمعالجة جذورها.

حرب 2015 والتحالف ضد الحوثيين:

كما تناولت الرسالة أحداث عام 2015م، عندما امتدت الحرب إلى المحافظات الجنوبية ووصلت المواجهات إلى العاصمة عدن، مشيرة إلى مشاركة تشكيلات جنوبية في القتال ضد جماعة الحوثيين إلى جانب قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبمشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقالت الرسالة إن كثيراً من الجنوبيين اعتبروا أنفسهم شركاء في مواجهة خطر مشترك، وأن هذه الشراكة العسكرية أوجدت لدى قطاعات منهم اعتقاداً بأنها ستفضي لاحقاً إلى تسوية سياسية تعالج القضية الجنوبية، إلا أن التطورات اللاحقة، وفق الرسالة، أظهرت وجود خلافات عميقة بشأن مستقبل الجنوب السياسي.

أحداث يناير 2026 وتصاعد الخلاف:

وتوقفت الرسالة عند أحداث يناير 2026م، وما رافقها من مواجهات في حضرموت والمهرة بين قوات مرتبطة بالحكومة وقوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، مع الإشارة إلى تقارير تحدثت عن تدخل جوي سعودي خلال تلك المواجهات.
وطرحت الرسالة جملة من التساؤلات بشأن انتقال العلاقة بين الأطراف التي كانت تقاتل في مواجهة الحوثيين إلى مواجهات داخل المعسكر المناهض لهم، داعية إلى التعامل مع هذه الأحداث من خلال التحقيق المستقل وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة.
وأكد أبو الخطاب أن طرح هذه التساؤلات، بحسب ما جاء في الرسالة، لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب تحريضي أو تخويني، وإنما إلى نقاش سياسي وقانوني موضوعي حول مستقبل الجنوب وعلاقته بالأطراف اليمنية والإقليمية.

دعوة الأمم المتحدة إلى عدم اختزال القضية الجنوبية:

 

ودعت الرسالة الأمم المتحدة إلى عدم اختزال القضية الجنوبية في إطار الأزمة اليمنية العامة، مشيرة إلى وجود قضية سياسية ذات جذور تاريخية، وإلى أن قطاعات واسعة من الجنوبيين تنظر إلى تجربة الوحدة باعتبارها تجربة فشلت في تحقيق الشراكة السياسية والمساواة.
وأكدت أن معالجة القضية لا ينبغي أن تقوم على فرض رؤية طرف على آخر، أو تأجيل الملف الجنوبي إلى أجل غير مسمى، بل عبر عملية سياسية شاملة تستوعب مختلف الأطراف والمواقف.

المطالبة بتحقيق دولي مستقل:

وطالبت الرسالة الأمم المتحدة بالنظر في تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في عدد من الملفات، من بينها تداعيات حرب 1994م، والانتهاكات المزعومة التي رافقت احتجاجات الحراك الجنوبي منذ عام 2007م، وأحداث حرب 2015م، إضافة إلى المواجهات الجنوبية اللاحقة وأحداث يناير 2026م في حضرموت والمهرة.
كما دعت إلى التحقيق في ما أثير بشأن الغارات الجوية والاعتقالات والأسر والضحايا والمفقودين، مؤكدة أن تحديد المسؤوليات ينبغي أن يستند إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثوقة، وليس إلى رواية سياسية مسبقة.
وشددت الرسالة على أن العدالة، بحسب تعبيرها، يجب ألا تكون مع طرف ضد آخر، وإنما مع الضحايا أياً كانت هويتهم أو مناطقهم.

رسالة إلى السعودية:

وفي جانب آخر، وجّهت الرسالة خطاباً إلى المملكة العربية السعودية، متسائلة عن طبيعة مستقبل العلاقة مع الجنوب، في ظل ما وصفته بالشراكة العسكرية التي جمعت القوات الجنوبية والتحالف العربي في مواجهة الحوثيين، ثم اندلاع مواجهات لاحقة بين أطراف كانت في المعسكر نفسه.
وأكدت أن معالجة القضية الجنوبية سياسياً، من وجهة نظر كاتب الرسالة، تمثل ضرورة لتحقيق الاستقرار في اليمن والمنطقة، داعياً إلى تجنب التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ورقة ضمن صراعات النفوذ الإقليمية.
رسالة إلى أبناء الشمال
كما حرصت الرسالة على التأكيد أن القضية الجنوبية، وفق رؤيتها، ليست قضية عداء لأبناء المحافظات الشمالية، مشددة على أن الخلاف المطروح يتعلق بمشروع سياسي وبحق أبناء الجنوب في اختيار مستقبلهم.

وأكدت أن أي خيار سياسي يقرره الجنوبيون بصورة حرة وسلمية لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى عداء مع أبناء الشمال، داعية في الوقت نفسه إلى أن يتمكن أبناء الشمال من العيش في دولة آمنة ومستقرة بعيداً عن الحرب والفقر والصراعات المسلحة.

«الجنوب لا يطلب من الأمم المتحدة أن تختار نيابة عنه»
وفي ختام رسالته، شدد أبو الخطاب على أن المطالبة الأساسية لا تتمثل في فرض الاستقلال أو الوحدة بالقوة، وإنما في توفير آلية سياسية وقانونية واضحة تتيح للجنوبيين التعبير عن خيارهم بحرية.

وقالت الرسالة إن الجنوبيين، إذا اختاروا الوحدة، فينبغي أن يكون ذلك عبر اختيار حر، وإذا اختاروا دولة مستقلة، فينبغي أن يتم ذلك من خلال آلية سياسية وقانونية واضحة وتحت إشراف دولي يضمن النزاهة.

واختتمت الرسالة بالتأكيد على أن إبقاء الجنوب في منطقة رمادية بين مشروع الوحدة ومشروع الاستقلال والنفوذ الإقليمي لن يؤدي، وفق رؤيتها، إلى سلام دائم، وأن جوهر المطالبة يتمثل في تمكين أبناء الجنوب من المشاركة في تقرير مستقبلهم.

وتطرح الرسالة في نهايتها سؤالين رئيسيين أمام المجتمع الدولي: متى سيأتي اليوم الذي يُسمع فيه صوت الجنوب في قاعات الأمم المتحدة باعتباره طرفاً سياسياً صاحب قضية؟ وهل يظل حق تقرير المصير خاضعاً لموازين القوة ومصالح الدول، أم يصبح حقاً يمكن للشعوب ممارسته عبر آليات سياسية وقانونية سلمية؟

زر الذهاب إلى الأعلى