الهوية الثقافية الجنوبية تراث زاخر بالعطاء وإبداع

كريتر نيوز/تقرير /خالد عبد الوهاب
أن الحديث عن الهوية الثقافية الجنوبية، هو حديث يثير في النفس الكثير من الشجون، كونه يرتبط بالحديث عن تاريخ شعب عريق في تراثه الفكري والثقافي ودوره الكبير في صنع أبرز وأهم معالم الحضارة الإنسانية، منذ أقدم العصور وحتى وقتنا الحاضر.
كما أنه لم يقتصر حديثنا هذا فقط عن الهوية الثقافية الوطنية الجنوبية، فأنه ﻻبد لنا من التطرق إلى كل ما له من صلة بحياة شعب الجنوب العربي من مأكل، ومشرب، ومسكن، وأدب وف، ن وتاريخ، وجغرافيا، واجتماع، ورياضة، وغيرها من أشكال الثقافة المادية والروحية،وكل ماله علاقة بحياة الناس وعلاقاتهم ومصالحهم المشتركة في حدود الأرض التي يجمعهم العيش فيها وعلاقاتهم بالعالم الخارجي المحيط بهم، وحيث تم انعكاس كل تلك العوامل سلباً أو إيجاباً على الداخل الثقافي في الجنوب، فكانت لتلك الثقافة بمختلف أشكالها المادية أو الروحية، تمتاز بالتنوع ولها قوة معنوية كبيرة في التاثير على حياة مختلف أفراد المجتع ورفع مستوى وعيهم الوطني والقومي وارتباطهم بتراثهم القديم والحديث واسهم في خلق أجواء مملوئة بالمحبة والتسامح بين جميع الأفراد في كل أرجاء الجنوب العربي بمختلف انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو المناطقية، وغيرها من الوﻻءات الأخرى التي كان يمتاز بها شعب الجنوب، وما زالت تلك الثقافات لها تأثيراتها القوية في الكثير من المجتمعات وبالذات في البلدان العربية أو الآسيوية.
•هوية الجنوب الثقافية:
وعن الهوية الثقافية يقول الكاتب الكبير توفيق الحكيم :”إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر صراع ، ﻻ بين القوى المادية وحدها، بل بين القوى الفكرية وأن التيارات الثقافية المحيطة بنا لتدفعنا إلى التفكير في موقفنا حيالها، وكل الثقافات الموجودة يجب أن نلم بها وأن نتخير محاسنها ونقتطف أطايبها، ونضيف إليها من ذات أنفسنا، ونضفي عليها من مشاعرنا، والثقافة ليست بضاعة مادية لأمة من الأمم، وإنما ثقافة كل أمة ملك البشرية كلها.
كما أن مجموعة القيم العربية والإسلامية هي بدون أدنى شك، مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية لشعب الجنوب العربي ، وهي مجموعة متكاملة من المبادئ والقيم التي تشكّل مذهباً ومنطلقاً لمنحه هويته الثقافية المستندة على قاعدة ضخمة من المرجعيات الأدبية والتراثية والأخلاقية، ما زالت منه حضارياً يمتد منه شعب الجنوب كشعب عربي أصيل يجنح دائماً الحياة اﻵمنة والمستقرة والحفاظ على السلم اﻻجتماعي، والعادات والتقاليد والأخوة وحب العمل والبناء والتنمية واﻻرتباط الوثيق بالأرض والأسرة ، وحب النظام والقانون والعدل والمساواة وعشقه للحرية وكرهه لكل أشكال العبودية واﻻستعمار ، وهو بطبيعته يعيش على سجيته التي خلق عليها وتوارثها أبّاً عن جد.
•كيف سعى الاحتلال اليمني طمس هوية وثقافة الجنوب؟
أن الاحتلال اليمني منذ وحدته المشؤومة يريد تغيير الثقافة والهوية الجنوبية، ولكن كل محاولاته بائت بالفشل لأنه قابل الشعب الجنوبي الذي هو مشبع بالثقافة والهوية التي ورثها عن الآباء والاجداد، ولأن الاحتلال اليمني أراد إدخال الأفكار والعادات والسلوكيات الشاذة كالعصبية المناطقية أو القبلية وإثارة النعرات والثارات وإدخاله في صراعات سياسية ومسلحة من قبل القوى الدخيلة بهدف اﻻستيلاء على أرضه ونهب ثرواته النفطية والغازية والسمكية والزراعية وانتزاع منه تلك القيم التي تربّى عليها وتوارثها أبّاً عن جد، وخاصة منذ القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما كانت مدينة عدن محط انظار العديد من الأجناس منذ أن تم الإعلان عنها كميناء حر عام 1850، فتواردت إليها الشركات من مختلف الجنسيات الإنجليزية والأمريكية والألمانية والإيطالية والهندية وغيرها، فتقاطر عليها الناس من مختلف الأجناس من عرب وهنود وأفارقة وفرس وطليان وفرنسيس وبينيان …الخ.
وبتلك الثقافة والهوية الجنوبية في أعماق التاريخ بين اوساط القارات العالمية ودولها فقد شيّدت الكنائس والمعابد والمساجد للعرب واليهود والنصارى والبوذية والفرس في تعايش في العاصمة عدن والجنوب، دون تنابذ أو احقاد، وحيث كان المسيحين وهم يؤدون صلواتهم في الكنيسة بمستشفى عفارة بالشيخ عثمان بكل طمأنينه. وبذلك فقدكان ﻻبد أن تتعدد الهويات الثقافية وفقا لتعدد المذاهب والأجناس ، مما دفع أبناء الجنوب العربي إلى خوض غمار هذه المنافسة بكل جدارة واقتدار ،ومنذ مطلع القرن التاسع عشر تم أنشاء النوادي والمنتديات والجمعيات الأهلية ابتداءً من عام 1923م بإنشاء نادي الأدب العربي ونادي الأصلاح العربي ومخيم أبي الطيب المتنبي.
•الجنوب وأوائل ثقافته السبّاقة:
كانت الثقافة الجنوبية السباقة الأولى في إصدار أول صحيفة في شرق الأوسط ناطقة باللغة العربية (فتاة الجزيرة) وباللغة الإنجليزية (ايدن كرنكل) عام 1940، وأيضا كانت الجنوب بداية النشاط الطباعي للكتب والصحف والمطبوعات الأخرى وقد بلغ عدد الصحف الصادرة قبل اﻻستقلال حوالي 60 صحيفة وأول كتاب تم طباعته (مبادئ الكيمياء) و(النهر الفائض في علم الفرائض) عام 1911م، مؤلفه عبدالقادر مكي وإصدار عدد من الكتب باللغة الإنجليزية مثل (قاموس الأمثال العدنية) لمؤلفه عبدالله خان وكتاب (أثر الأدب الروسي في الأدب العالمي) لمؤلفه عبدالرحيم لقمان وكتاب (نصيب عدن من الحركة الثقافية) لمؤلفه محمد سعيد الأصنج وعدد كبير من الكتب والروايات والدواوين الشعرية لعدد من المؤلفين وأبرزهم محمد علي لقمان.
•الجنوب والترجمة الأدبية:
كما نشطت أعمال الترجمة للاعمال الأدبية العالمية وفي مقدمتها مؤلفات وليام شكبير وتمثيلها على خشبة المسرح العدني ، مما يعني البدء بظهور المسرح في الثلاثينيات من القرن المنصرم، وإنشاء أول محطة إذاعة وتلفزيون في الخمسينيات والستينيات من نفس القرن وتاسيس أول نادي رياضي لكرة القدم عام1905 ونادي التينس العدني ، وتاسيس العديد من الفرق الفنية في عدن ولحج وأبين وحضرموت، وإخراج أول فلم روائي في السلطنة القعيطية في الخمسينيات من القرن19، مما أدى إلى تشكل الوعي الثقافي للشعب الجنوبي مع بداية انتشار التعليم الأساسي والثانوي والمهني وتبلور معالم الهوية الثقافية الجنوبية ، والبناء عليها في فترة ما بعد اﻻستقلال الوطني عام1967، ومن ثم بداية اﻻندثار لكل ماهو من موروث فكري وثقافي وبصورة ممنهجة من قبل القوى الغاشمة والمتخلفة التي جاءت بها الوحدة المشؤومة في مايو 1990م، في محو الكثير من معالم الهوية الثقافية الوطنية لشعب الجنوب وهناك بدأ بضرب التعليم وسياسة التجهيل وعودة الأمية العلمية والثقافية والنشاط الفني والأدبي والمسرحي وإعادة الجنوب إلى ما يشبه حياة القرون الوسطى.