دولة تضرب نفسها نووياً.. الحقيقة الخفية وراء أخطر تجربة في التاريخ

كريترنيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين
في واحدة من أكثر التجارب العسكرية إثارة للجدل في القرن العشرين، نفذت الولايات المتحدة سلسلة تفجيرات نووية على أسطول من سفنها الحربية ضمن ما عُرف بعملية “كروس رودز”، في محاولة لفهم التأثير الحقيقي للأسلحة النووية على القوة البحرية.
جاءت هذه الخطوة في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، التي شهدت استخدام القنابل النووية لأول مرة، ما أثار تساؤلات ملحّة داخل المؤسسة العسكرية حول مدى قدرة السفن الحربية على الصمود أمام هذا النوع الجديد من الأسلحة، وبعد موافقة القيادة السياسية، شرع قادة الجيش في تنفيذ خطة علمية عسكرية شارك في إعدادها خبراء مشروع مانهاتن، بهدف اختبار تأثير الانفجارات النووية على السفن والمعدات وحتى الكائنات الحية على متنها.
واستهدفت التجارب نحو 95 سفينة متنوعة، شملت بوارج وحاملات طائرات وغواصات وسفن دعم، إضافة إلى سفن تم الاستيلاء عليها من دول المحور، وكان الهدف المعلن هو تطوير تصميم السفن وتحسين التكتيكات البحرية وتحديد مسافات الأمان في الموانئ خلال الحروب المستقبلية.
أُجريت الاختبارات في جزر بيكيني المرجانية بالمحيط الهادئ، حيث وفرت البيئة الجغرافية المعزولة موقعا مناسبا لهذه التجارب واسعة النطاق، وتم إجلاء السكان المحليين، كما رافق التجارب عدد كبير من العلماء والمسؤولين والصحفيين لمتابعة الحدث عن قرب.
في التجربة الأولى، التي جرت في يوليو 1946، أُلقيت قنبلة نووية من الجو وانفجرت فوق الأسطول المستهدف، ما أدى إلى إغراق عدد محدود من السفن، بينما لحقت أضرار متفاوتة بالبقية، غير أن التجربة الثانية، التي فجّرت قنبلة نووية تحت الماء، كشفت عن نتائج أكثر خطورة، إذ تسببت في موجات مائية مشعة غمرت عشرات السفن، وأدت إلى تلوثها إشعاعيا بشكل كبير.
وأظهرت النتائج أن التأثير الأخطر لم يكن الانفجار نفسه، بل التلوث الإشعاعي الناتج عنه، والذي جعل معظم السفن غير صالحة للاستخدام، رغم بقائها طافية، وقد اضطرت البحرية لاحقا إلى إغراق العديد من هذه السفن بسبب خطورة الإشعاع.
كما شملت التجارب وضع آلاف الحيوانات على متن السفن لدراسة التأثيرات البيولوجية للإشعاع، في خطوة تعكس الطابع العلمي الصارم لهذه الاختبارات، رغم ما تثيره من جدل أخلاقي.
وفي ضوء النتائج، تم إلغاء التجربة الثالثة، بعدما أدرك القائمون على المشروع حجم المخاطر المرتبطة بهذا النوع من الأسلحة.
شكّلت عملية “كروس رودز” نقطة تحول في فهم طبيعة الحروب الحديثة، حيث أثبتت أن الأسلحة النووية لا تدمّر فقط عبر الانفجار، بل تخلّف آثارا إشعاعية طويلة الأمد قد تكون أكثر خطورة، ما أعاد تشكيل الاستراتيجيات العسكرية في العقود اللاحقة.