دولية

نهاية عصر الممر الواحد

كريترنيوز /متابعات /أكرم أبو الهنود

شهدت أزمة مضيق هرمز تحولاً لافتاً في طريقة تعامل دول المنطقة مع أمن الطاقة، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل اتجهت الأنظار إلى تسريع مشاريع استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على أي ممر منفرد، في مؤشر إلى تحول أعمق قد يعيد رسم خريطة تدفقات النفط والغاز وموازين النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط.

وبينما ينصب الاهتمام على التطورات الأمنية في المضيق، تتسارع في الخلفية مشاريع لربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط عبر شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البرية، بما يمنح المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات الجيوسياسية، ويعزز قدرتها على استمرار تدفقات الطاقة في أوقات التوتر.

 

لكن هل نحن أمام مشاريع متفرقة، أم بداية انتقال فعلي من الاعتماد على ممر واحد إلى شبكة متكاملة من البدائل؟

تبدأ الإجابة من الإمارات، حيث لم يبدأ التفكير في تجاوز «هرمز» مع الأزمة الأخيرة، ففي مايو الماضي، أعلنت دولة الإمارات تسريع إنشاء خط نفط جديد إلى ميناء الفجيرة، على ساحل بحر عُمان، بهدف مضاعفة قدرتها على تصدير الخام من خارج المضيق بحلول عام 2027.

ويأتي المشروع امتداداً لاستراتيجية بدأت قبل سنوات لبناء بنية تحتية تقلل ارتباط صادرات الطاقة بممر بحري واحد.

 

ويأتي مشروع خط أنابيب حبشان–الفجيرة في صدارة الخيارات القائمة لتجاوز مضيق هرمز.

 

فالخط ينقل النفط الخام من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان المتصل ببحر العرب، ويشكل أحد أهم عناصر استراتيجية الدولة لتنويع منافذ التصدير وتعزيز مرونة قطاع الطاقة.

 

وتعمل شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» على زيادة قدرات التصدير عبر الفجيرة ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز أمن الإمدادات وترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً لتخزين النفط وتصديره وخدمات الشحن، وفق تصريحات رسمية للدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» ومجموعة شركائها. ولا تكمن أهمية الفجيرة في خط الأنابيب وحده، بل في المنظومة المحيطة به.

فالميناء بات مركزاً للتخزين والتكرير وتزويد السفن والخدمات البحرية، ما يسمح بنقل النفط من الحقول البرية إلى الساحل الشرقي ثم شحنه مباشرة إلى الأسواق، من دون الاضطرار إلى المرور بهرمز.

 

خط أنابيب شرق– غرب

ولا يقتصر التحرك على الإمارات، إذ تواصل السعودية تطوير خياراتها البديلة عبر خط أنابيب شرق–غرب، الممتد من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وتبلغ الطاقة التشغيلية للخط نحو 7 ملايين برميل يومياً، يُستخدم منها قرابة مليوني برميل لتغذية المصافي المحلية، ما يترك نحو 5 ملايين برميل يومياً قابلة للتصدير.

 

كما تدرس المملكة زيادة الطاقة الاستيعابية للخط بما يصل إلى مليوني برميل يومياً، ما قد يرفع قدرته الإجمالية إلى نحو 9 ملايين برميل، بحسب «رويترز»، في خطوة تعكس تنامي أهمية البحر الأحمر بوصفه منفذاً استراتيجياً لصادرات الطاقة الخليجية.

وإذا كانت الإمارات والسعودية تمتلكان بالفعل بدائل عاملة، فإن العراق يمثل الحلقة التي لا تزال قيد البناء، وهو ما يفسر الزخم الذي تشهده مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة خلال الأسابيع الأخيرة.

ففي الرابع من يوليو، وافق مجلس الوزراء العراقي على اتفاقات أولية لإجراء دراسات فنية واقتصادية لعدد من مشاريع خطوط الأنابيب الاستراتيجية، من بينها مسارات تربط البصرة بحديثة، ثم تتجه إلى ميناء جيهان التركي أو بانياس السوري، ضمن خطة لتنويع منافذ تصدير النفط، وفق بيان الحكومة العراقية.

ويحظى المسار التركي باهتمام خاص، باعتباره واحداً من أهم المنافذ البرية المحتملة لتصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط.

وخلال زيارة إلى بغداد في التاسع من يوليو، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار أن المفاوضات الخاصة بالاتفاق المؤقت لتشغيل خط النفط العراقي – التركي دخلت مراحلها النهائية، معرباً عن توقعه التوصل إلى اتفاق قريب، وفق وكالة الأناضول.

 

وفي تطور لاحق، كشف بيرقدار في 14 يوليو عن تفاصيل إضافية، موضحاً أن العراق طلب حجز طاقة نقل تبلغ 750 ألف برميل يومياً، فيما اقترحت تركيا تصميم الخط بطاقة مستقبلية تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، مع بحث إمكانية إنشاء خط موازٍ لنقل الغاز الطبيعي، وفق الوكالة ذاتها.

خط أنابيب حديثة – بانياس

ولا يقتصر الرهان العراقي على المسار التركي، إذ عاد مشروع خط البصرة–حديثة–بانياس إلى واجهة الاهتمام، بعدما وقعت وزارة النفط العراقية مذكرة تفاهم مع شركة «شيفرون» لإجراء دراسة جدوى للمشروع، في خطوة تستهدف إعادة إحياء منفذ تصدير مباشر إلى البحر المتوسط.

كما ذكرت وكالات الأنباء العراقية أول من أمس أن العراق وسوريا وقعا مذكرة لإعادة تأهيل أنبوب النفط الممتد من حديثة إلى بانياس، على أن تتولى شركة «شيفرون» تنفيذ المشروع.

 

ويُنظر إلى المشروع باعتباره خياراً استراتيجياً يمنح العراق منفذاً إضافياً، ويعيد لبانياس جزءاً من دورها التاريخي في تجارة الطاقة الإقليمية، إذا ما توافرت الظروف السياسية والأمنية والتمويلية المناسبة.

 

وتكتسب هذه المشاريع أهمية مضاعفة في ضوء التحركات الاقتصادية الأوسع بين بغداد وواشنطن.

 

ففي 17 يوليو، وقعت شركات طاقة غربية مع العراق اتفاقات ومذكرات تفاهم غير ملزمة تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، شملت قطاعات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، مع تركيز على تطوير طرق تصدير بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وفق «رويترز».

 

لكن هذه البدائل لا تخلو من قيود. فمشروع خط العراق–الأردن إلى ميناء العقبة، الذي طُرح منذ سنوات بوصفه منفذاً إضافياً للصادرات العراقية، ظل متعثراً بفعل تحديات التمويل والجدوى السياسية والاقتصادية، ما يوضح الفجوة بين الإعلان عن الممرات وبين تحولها إلى بنية تشغيلية فعلية.

 

كما أن تحويل مزيد من الصادرات باتجاه البحر الأحمر لا يلغي المخاطر، بل ينقل جزءاً منها إلى مسار آخر.

فالملاحة في البحر الأحمر تبقى مرتبطة بأمن باب المندب، الذي تعرض خلال السنوات الأخيرة لاضطرابات وهجمات على السفن التجارية، فيما تعرض خط شرق–غرب السعودي ومرافق ينبع نفسها لهجمات خلال التصعيد الإقليمي.

 

أدوات لتوزيع النفوذ

وبذلك، لا تمثل الممرات البديلة ضماناً كاملاً ضد الاضطراب، بقدر ما توفر توزيعاً أوسع للمخاطر وتمنح الدول المنتجة هامشاً أكبر للمناورة عند تعطل أحد المسارات.

وتؤشر هذه التطورات إلى أن خطوط الأنابيب لم تعد مجرد مشاريع لنقل النفط، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي.

فكل مسار جديد يقلل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة، ويمنح الدول المنتجة خيارات أوسع، لكنه يمنح أيضاً دول العبور والموانئ الجديدة ثقلاً أكبر في معادلات الطاقة الإقليمية.

 

وتبرز تركيا في هذا السياق باعتبارها محور عبور بين العراق والبحر المتوسط وأوروبا، فيما يسعى العراق إلى التحول إلى عقدة تربط موارد الطاقة بشبكات نقل تمتد شمالاً وغرباً.

وفي المقابل، تواصل الإمارات والسعودية تعزيز منافذهما القائمة على بحر العرب والبحر الأحمر وتوسيع شبكة النقل.

 

كما ينعكس تنوع المسارات على الأسواق العالمية، إذ يمكن أن يحد من حجم تعطل الإمدادات الناتج عن اضطراب ممر واحد، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالأمن والبنية التحتية والتمويل والحدود السياسية، وهي عوامل قد تؤخر تنفيذ بعض المشاريع لسنوات.

ورغم أن معظم هذه المشاريع ليست وليدة الأزمة الحالية، فإن التصعيد في مضيق هرمز منحها زخماً سياسياً واقتصادياً إضافياً، وسرّع وتيرة المفاوضات والدراسات والاستثمارات المرتبطة بها.

فالأزمة لم تصنع البدائل، لكنها كشفت كلفة غيابها ودفعت الحكومات والشركات إلى إعادة ترتيب الأولويات.

 

وتقود هذه التطورات إلى إجابة أولية عن السؤال الذي طرحته الأزمة.

فالمنطقة لا تتجه إلى الاستغناء عن مضيق هرمز، الذي يبقى أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، كما أن الممرات البديلة ليست محصنة من التهديدات أو التعثر.

 

لكن الاتجاه العام بات أكثر وضوحاً: الانتقال تدريجياً من الاعتماد على منفذ رئيسي واحد إلى شبكة من الأنابيب والموانئ والمسارات البرية، توزع المخاطر وتعيد تشكيل أدوار الدول المنتجة ودول العبور.

 

وإذا استمرت هذه المشاريع في التقدم، فقد لا تكون أزمة هرمز مجرد محطة عابرة في تاريخ أسواق النفط، بل نقطة تحول سرّعت الانتقال إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«نهاية عصر الممر الواحد».

زر الذهاب إلى الأعلى