دولية

«الفائز يأخذ كل شيء».. كيف قرأت الصحف الأمريكية خطاب ترامب في الأمم المتحدة؟

كريترنيوز /متابعات /حسين جمو

 

قدّم خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مادة واحدة، لكن ثلاثاً من كبريات الصحف الأميركية خرجت منه بثلاث قصص مختلفة. اتفقت «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» على أن حرب إيران هي محور الخطاب، وأن ترامب استخدم لغة شديدة القوة مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً، لكن كل صحيفة اختارت زاوية مختلفة لفهم ما وراء الكلمات. والقراءة الأبرز جاءت من «وول ستريت جورنال»، التي التقطت مفارقة ملفتة وغير مسبوقة.

«وول ستريت جورنال»

قرأت «وول ستريت جورنال» الخطاب من الداخل الأميركي، ووضعت في مركز تحليلها مفارقة لافتة. فمنذ أسابيع يطلب ترامب من مؤيديه التعامل مع انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر كما لو أن اسمه موجود على بطاقة الاقتراع، لكنه قال أمام قادة العالم إن الانتخابات لا تدخل في حساباته حين يتعلق الأمر بإيران.

ومن هذه العبارة بنت الصحيفة تفسيرها للخطاب بأكمله. يتعامل ترامب مع سياسته الخارجية بوصفها جزءاً من إرثه الرئاسي، حتى عندما تزيد كلفتها السياسية على حزبه.

وفق هذه القراءة، ترى «وول ستريت جورنال» أن حرب إيران أصبحت نقطة ضعف انتخابية للجمهوريين بسبب انعكاساتها على أسعار الطاقة، فيما بدأ مرشحون جمهوريون في ولايات مختلفة يطالبون بإنهائها أو باتخاذ إجراءات لتخفيف أسعار الوقود. ومع ذلك، لم يبد ترامب في خطابه ميلاً إلى تعديل سياسته بسبب انتخابات نوفمبر، وقال إن الاعتبار الذي يحكم قراره هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهذا الهدف ورد أيضاً بوضوح في العرض الرسمي للبيت الأبيض للخطاب.

لهذا رأت «وول ستريت جورنال» أن خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة كشف صفحة جديدة من تحولاته، فهو يحاول الاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية في الكونغرس، لكنه في الوقت نفسه يضع مشروعه في السياسة الخارجية فوق الحسابات الانتخابية المباشرة، حتى لو أدت إلى هزائم للجمهوريين.

وتوسعت الصحيفة في هذا المعنى إلى ملفات أخرى. فالتمسك بسياسة متشددة حيال كوبا، وتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي ورفض القيود التي قد تبطئه، كلها قُرئت ضمن بحث ترامب عن إنجازات طويلة الأمد يريد أن ترتبط باسمه بعد مغادرة البيت الأبيض بدلاً من التضحية بكل هذا مقابل انتصار قصير الأمد في الانتخابات النصفية.

لم يكن خطاب نيويورك وفق قراءة «وول ستريت جورنال» خطاباً عن إيران وحدها، وإنما مواجهة بين إرث ترامب السياسي من جهة، ومصالح الجمهوريين الانتخابية الآنية من جهة أخرى. ولم يكن هذا التعارض ملموساً بهذا الشكل قبل اعتلاء ترامب منصة الأمم المتحدة أمس.

«نيويورك تايمز»: القوة الأمريكية خارج قيود النظام الدولي

اختارت «نيويورك تايمز» مستوى مختلفاً للتحليل. بالنسبة إليها، القضية الأبرز كانت تصور ترامب لموقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي نفسه.

وصاغت الصحيفة قراءتها تحت عنوان «رؤية تقوم على أن الفائز يأخذ كل شيء»، معتبرة أن الخطاب مثّل ابتعاداً عن الفلسفة التي قامت عليها الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

استندت «نيويورك تايمز» إلى مجموعة من العبارات والمواقف: تهديد ترامب إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، حديثه عن المكاسب الأمريكية من فنزويلا، مقولته «الغنائم للفائز»، حديثه عن كوبا، واتفاق غرينلاند، إضافة إلى هجومه على المحكمة الجنائية الدولية ورفضه ترتيبات عالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي.

كانت العبارة الأكثر دلالة هي حديث ترامب عن فنزويلا: «للفائز الغنائم». فالصحيفة رأت فيها انتقالاً من تبرير استخدام القوة باعتبارات الأمن أو الردع إلى الحديث صراحة عن العائد المادي والاستراتيجي للنصر، ولا سيما النفط والموارد. لذلك اختارت لعنوانها تعبير «Winner-Takes-All»، أي رؤية تقوم على أن المنتصر لا يكتفي بفرض النتيجة السياسية، وإنما يستطيع أيضاً تحصيل مكاسبها.

الصورة التي استخلصتها الصحيفة هي إدارة ترى أن القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية يمكن استخدامها بصورة مباشرة لتحقيق المصالح الأمريكية، مع قدر أقل من الاعتماد على المؤسسات الدولية وآليات العمل المتعدد الأطراف. ويتقاطع ذلك مع ما قاله ترامب نفسه في الخطاب عندما قدم سياسته بصيغة «بينما تحدث الآخرون، تحركتُ أنا»، وأكد استعداد الولايات المتحدة لاستخدام قوتها لحماية مصالحها.

لكن «نيويورك تايمز» توقفت أيضاً عند مفارقة مهمة. اللهجة الحادة لم تغلق الطريق أمام الدبلوماسية. فبينما كان ترامب يطرح أمام إيران خيار الاتفاق أو التدمير الكلي (الإبادة)، كان مسؤولون أميركيون وإيرانيون يجرون محادثات في نيويورك.

«واشنطن بوست»: إيران ابتلعت يوم الدبلوماسية

أما «واشنطن بوست» فاختارت زاوية ثالثة وأقرب إلى وقائع ذلك اليوم: الحرب مع إيران طغت على كل النشاط الدبلوماسي لترامب في نيويورك.

كان جدول ترامب مزدحماً. وقّع اتفاقاً يتعلق بغرينلاند مع الدنمارك، واجتمع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتقى قادة عرب، وكانت أمامه ملفات فنزويلا والصين وروسيا. اتفاق غرينلاند، الذي يوسع الوجود العسكري الأميركي مع بقاء السيادة الدنماركية، أُعلن بالفعل على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.

وفق قراءة «واشنطن بوست» فإن إيران بقيت الظل الذي غطى كل هذه اللقاءات. ركزت الصحيفة على التناقض بين اللغة العلنية الشديدة وبين التحرك الدبلوماسي الجاري في الخلفية. ترامب قال إن اعتبارات انتخابات نوفمبر لن تحدد سياسته تجاه إيران، وقدم مرة أخرى منعها من امتلاك سلاح نووي باعتباره الهدف الرئيسي. وفي الوقت ذاته كانت إدارته تبحث عن طريق إلى اتفاق، بينما تؤكد تقارير مستقلة أن إيران والحرب معها شكلتا المحور الأكبر في ظهوره أمام الجمعية العامة.

زر الذهاب إلى الأعلى