عربية
نزع سلاح «حماس».. اتفاق تاريخي أم هدنة تحتمل الانفجار؟

بعد إعلان «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق يفضي إلى نزع سلاح حركة «حماس» وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب التي اندلعت إثر هجوم السابع من أكتوبر 2023 وخلّفت تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية واسعة في المنطقة، تجلت فرصة تحول تاريخي في هذه الأزمة المستمرة منذ عقود.
وفيما أكد مسؤولون في «حماس» قبول الحركة بالاتفاق، لم يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى الآن، موقفاً نهائياً منه. وبينما قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان بوصفه “اختراقاً تاريخياً”، تبقى تفاصيل الاتفاق وحدود التزامات الطرفين غامضة، كما تظل عملية تنفيذه محفوفة بعقبات سياسية وميدانية معقدة.
معنى نزع السلاح
تتمثل أولى نقاط الغموض في طبيعة الأسلحة التي وافقت «حماس» على التخلي عنها. فليس واضحاً ما إذا كان الاتفاق يشمل الأسلحة الثقيلة، مثل الصواريخ، فقط، أم يمتد كذلك إلى البنادق والأسلحة الشخصية والخفيفة.
وتوحي الخطة الأمريكية الأصلية المكونة من عشرين بنداً بأن عملية نزع السلاح ينبغي أن تشمل الأسلحة الخفيفة أيضاً. غير أن مسؤولاً في «حماس» ربط تنفيذ الاتفاق بوقف إسرائيل جميع عملياتها العسكرية، وانتشار قوة دولية، وضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة.
كما لا تزال آلية جمع الأسلحة أو تعطيلها وتخزينها والتحقق منها غير محسومة، وهي مسألة شديدة الحساسية؛ إذ يصعب التأكد عملياً من تسليم جميع الأسلحة المنتشرة بين الفصائل والعناصر المسلحة داخل القطاع.
ويشمل الاتفاق كذلك تمكين «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» من تولي المسؤولية المدنية، بما يفترض انتقال المهام الأمنية من جهاز الشرطة الذي تهيمن عليه «حماس» إلى السلطة الإدارية الجديدة، وتسليم عناصره أسلحتهم إليها.
لماذا وافقت «حماس» الآن؟
يرى خبراء «المجلس الأطلسي» أن موافقة «حماس» جاءت نتيجة ضغوط مكثفة، إلى جانب التراجع الذي أصاب وضع الحركة المالي والسياسي والعسكري.
وتواجه الحركة تقلصاً في الدعم، في ظل العقوبات والحصار البحري الأمريكي والحرب الدائرة مع إيران، كما تواصل إسرائيل توسيع سيطرتها الميدانية في غزة رداً على النشاط المسلح. وفي الوقت نفسه، تتعرض «حماس» لانتقادات متزايدة من فلسطينيين يحملونها، إلى جانب إسرائيل، جانباً من المسؤولية عن استمرار معاناتهم.
وقد تكون قيادة الحركة خلصت إلى أن قبول نزع السلاح مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي يمنحها فرصة لتجنب مزيد من الاستنزاف، أو لإعادة تقديم نفسها بوصفها طرفاً سياسياً لا عسكرياً.
لكن احتمال المناورة يظل قائماً؛ فقد تكون «حماس» تراهن على أن الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات، سترفض الاتفاق أو تضع شروطاً تعجيزية، ما يسمح للحركة بنقل مسؤولية تعطيل الخطة إلى تل أبيب.
مكسب سياسي لترامب
يأتي الإعلان في توقيت يحتاج فيه الرئيس الأمريكي إلى إنجاز سياسي خارجي، وسط استمرار الحرب مع إيران وتراجع شعبيتها داخل الولايات المتحدة.
ويسعى ترامب إلى تقديم الاتفاق دليلاً على قدرته على إحياء خطته ذات النقاط العشرين بشأن غزة، بعد انتقادات اتهمته بالانشغال بالحرب الإيرانية وترك المسار الفلسطيني من دون تقدم حقيقي.
كما يمنحه الاتفاق فرصة لتأكيد صورته باعتباره «صانع صفقات» قادراً على تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: إنهاء أحد أبرز مصادر الصراع الإقليمي، وتعزيز أمن إسرائيل، وفتح مسار سياسي واقتصادي جديد للفلسطينيين في غزة.
إلا أن النجاح السياسي للإعلان سيظل مرتبطاً بالتنفيذ، إذ سبق أن كشفت اتفاقات أخرى، ومنها مذكرة التفاهم الأمريكية مع إيران، عن خلافات جوهرية في تفسير النصوص بين الأطراف الموقعة عليها.
معضلة التنفيذ
يتطلب الاتفاق تنفيذ سلسلة من الخطوات المتبادلة والمتزامنة: تسلّم «حماس» أسلحتها وتتخلى عن سيطرتها العسكرية، مقابل وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب التدريجي من القطاع.
لكن انعدام الثقة بين الجانبين يجعل كلاً منهما يرفض التحرك أولاً. فإسرائيل تصر على عدم الانسحاب الكامل قبل التحقق من نزع سلاح «حماس»، في حين تربط الحركة التخلي عن السلاح بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف عملياتها.
ويكمن الخطر في أن أي تأخير أو انتهاك محدود قد يُستخدم ذريعة لتعليق الاتفاق بأكمله. كما يستطيع الطرفان إبطاء التنفيذ، أو تبادل الاتهامات، أو الادعاء بأن الطرف الآخر لم يفِ بالتزاماته.
وسيتطلب تجاوز هذه المعضلة ضغطاً متواصلاً من الولايات المتحدة على نتنياهو، ومن مصر وقطر وتركيا على قيادة «حماس»، إلى جانب ضمانات واضحة بشأن ترتيب الخطوات وتوقيتها وآليات التحقق منها.
القوة الدولية
ينص الاتفاق على منح «قوة الاستقرار الدولية»، المفوضة من الأمم المتحدة، دوراً أساسياً في جمع الأسلحة وتأمينها ومنع حدوث فراغ أمني بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وتراجع نفوذ «حماس».
لكن هذه القوة لا تضم حالياً سوى نحو 200 جندي من جنسيات متعددة، في حين تقدر الخطة حاجتها إلى نحو 5000 عنصر، فضلاً عن مئات الموظفين العاملين في مكتب الممثل الأعلى لغزة.
كما أن انتشارها مشروط بتحقق وقف دائم لإطلاق النار، وبدء نزع السلاح، وتنفيذ الانسحابات الإسرائيلية المرحلية. وهو تسلسل يخلق دائرة مغلقة؛ فالقوة الدولية تحتاج إلى استقرار كي تنتشر، لكن الاستقرار نفسه يحتاج إلى وجودها.
ويمثل التمويل والتدريب والدعم اللوجستي تحديات إضافية، ولا سيما مع تأثيرات الحرب الإيرانية في المنطقة.
هوية سياسية
يتجاوز نزع السلاح الجانب العسكري إلى سؤال يتعلق بمستقبل «حماس» وهويتها السياسية.
ويرى بعض الخبراء أن الحركة قد تقبل هدنة طويلة أو تخفيض حضورها العسكري، لكنها ستواجه صعوبة في التحول إلى تنظيم سياسي مستدام تحت الاسم والهوية نفسيهما، ما لم تُجرِ مراجعة فكرية وبرنامجية شبيهة بالتحول الذي شهدته منظمة التحرير الفلسطينية في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
قد لا يؤدي نزع السلاح الجزئي إلى إنهاء الحركة، بل إلى تحويلها إلى شبكة سياسية واجتماعية وأمنية غير رسمية تنتظر تغير الظروف.
بين أمل وانعدام الثقة
بالنسبة إلى سكان غزة، قد لا يكون الإعلان وحده كافياً لإثارة التفاؤل، بعدما عانوا سنوات من القصف والقتل والنزوح وتدمير المستشفيات والمدارس والمنازل والبنية الأساسية.
ويرى خبراء أن سلاح «حماس» لم ينجح في حماية السكان أو وقف التوسع الإسرائيلي أو فتح المعابر أو إدخال المساعدات. ولذلك قد يأمل كثيرون أن يؤدي انتقال السلاح إلى جهة فلسطينية جديدة إلى وقف القتل الذي تمارسه إسرائيل، وكذلك الانتهاكات المنسوبة إلى «حماس» والجماعات المسلحة الأخرى.
لكن الغزيين يدركون أيضاً أن تخلي الحركة عن سلاحها لا يضمن انسحاب إسرائيل أو وقف عملياتها. وسيعتمد نجاح الاتفاق على استمرار الضغط الأمريكي والدولي على الحكومة الإسرائيلية، ومنعها من استخدام أي خلاف أمني ذريعة لمواصلة السيطرة على أراضي القطاع.
وتشير التقارير إلى أن السيطرة الإسرائيلية على أراضي غزة ارتفعت من نحو نصف القطاع إلى قرابة 70%، وفق تقديرات أوردها الخبراء، ما يزيد الشكوك بشأن استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل.
مأزق نتنياهو
يواجه نتنياهو ضغوطاً متعارضة. فمن جهة، لا يريد تحدي ترامب أو الظهور بمظهر الطرف الذي أفشل اتفاقاً يقدمه الرئيس الأمريكي باعتباره إنجازاً تاريخياً. ومن جهة أخرى، يواجه ضغطاً من شركائه في اليمين المتطرف، الذين سيرفضون أي انسحاب قبل نزع سلاح «حماس» بصورة كاملة ونهائية.
كما أن الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة تجعل الاتفاق جزءاً من الصراع الداخلي. فقد وعد نتنياهو بتحقيق «نصر كامل» على الحركة، وسيكون من الصعب عليه قبول تسوية قد يفسرها منافسوه وأنصاره باعتبارها تراجعاً أو استسلاماً.
ولهذا يرجح الخبراء أن يتبع رئيس الوزراء الإسرائيلي سياسة محسوبة: يمنح ترامب الحد الأدنى المطلوب لإبقاء دعمه، مع انتظار أي إخفاق أو خرق من «حماس» لاستخدامه مبرراً لتعطيل الانسحاب أو العودة إلى العمليات العسكرية.
اتفاق أم مناورة؟
ينطوي الاتفاق على تقدم سياسي حقيقي، لكنه يحتوي أيضاً على تناقض جوهري: الخطوات التي يسهل التحقق منها تقع في معظمها على الجانب الإسرائيلي، مثل الانسحاب ووقف العمليات وإدخال المساعدات، بينما يصعب التحقق بصورة قاطعة من نزع جميع أسلحة «حماس».
وقد تكون الحركة وافقت على صيغة تتيح لها مطالبة إسرائيل بتنفيذ التزامات مرئية أولاً، ثم الدخول لاحقاً في جدل طويل حول تعريف السلاح المشمول وآلية جمعه.
وفي المقابل، تستطيع إسرائيل الموافقة مبدئياً على الاتفاق، ثم استخدام الغموض نفسه لاتهام «حماس» بعدم الالتزام وتأجيل الانسحاب.
لذلك قد يكون الدافع المشترك للطرفين، في هذه المرحلة، ليس الثقة بالخطة، بل الرغبة في إقناع واشنطن بأن الطرف الآخر هو المسؤول عن تعطيلها. وهي آلية استخدمتها أطراف أخرى في مفاوضات قادتها الولايات المتحدة، حيث يتحول الصراع من رفض الاتفاق إلى التنافس على تحميل الخصم مسؤولية فشله.

