ذكريات لاتُنسى لأهل أول في عدن ..

كتب : نادرة حنبلة
كان الهوس بحب البحر
لسكان عدن هواية يشترك فيها الجميع، حبهم للبحر وللسمك وللصيد هوس غير اعتيادي يختارون أيام الإجازات يقيمون فيها بالإعداد للرحلة ويتدارسون كيف وماذا وأين تكون في سواحل العاصمة عدن.
وأيضا الرجال يفكرون بالاصطياد، يعدون العدّة من شباك وأغلبه خيوط الصيد القديمة والسنانير والديدان الحمراء والكمية.
والنساء يعدّن العدة للأكل، النقطة المهمة في الأمر طبعاً تقتصر الرحلات على عائلة واحدة يجتمع فيها الأعمام والزوجات والأبناء،
أنا لا أتذكر إني شاركت في إعداد وجبة الطعام لكني شاركت في أكل كل أنواع الأطعمة الموجودة والاصطياد كان محببا بالنسبة لي، بس طبعاً بالنادر كنا صغار أختار الكبار منطقة بعيدة مافيها سكان منطقة القعوة لتكون وجهة رحلتنا القريبة، المنطقة عبارة عن جبل بحرين بحر هائج لدرجة رفض آبائنا السباحة فيه خوفاً علينا.
المهم نلتقي الأسر وقد اكتملت المؤن من بترول إلى ماء إلى أكل أو طعم للأسماك إلى خيوط الصيد، إلى ثلاجات الثلج الصندوقية وأواني الأكل بأنواعها ومواقد الأطعمة والإنارة وأدوات الإسعاف كل شي كانوا يعملوا له حساب، حتى بسكويت الشمار واللبن وكيك اليوناني كل شيء تتحمله السيارات نصل للمكان يعدّوه للنساء اللاتي تجتمعن ويبدأ الكلام ونحن بجانبهم نلعب نجري نتمتع إن كان صباحاً نسبح جميعنا.
تتميز الرحلة أن للرجال قسم بعيد وللنساء قسم آخر بحيث كل منهم يأخذ راحته، يعدّون للطعام هناك غذاء وهناك عشاء، الغذاء رز عقدة زربيان كبسة كل شي موجود ممكن تتخيله نأكل من كل شيء ونستطعم كل شي، لم تعُد الوجبات التي تناولناها شبيهة بطعمها الآن، فارق الجودة والطعم كانت أمهاتنا يطبخن الطعام منذ الصباح بهدوء شديد وتأنٍّ ويضيفون عليه مزيجاً من الحب، آه ما أجمل طبيخ أمي، وبعدها فواكه أيام زمان وأهل أول.
مع بداية الغروب يغادر الرجال المكان للاصطياد ونحن نبقى مع الأمهات العمات الخالات نلعب حتى نرهق وننام، لكن هناك شيء لم نحدثكم عنه الجمَّاد أو الاحتفالات بالهندي يتجمعون ومعهم الآلات الموسيقية البسيطة ويغنون الهندي ومحمد رفيع ولنا مانجيشكر ولتا بهوسلي أفضل فناني زمان أمثال أم كلثوم ووردة وعبد الوهاب وحليم … الخ.
كانت الحياة بسيطة وتقارب الأهل كان بديعاً لا شجار بين الأبناء، لأنه يعاقب الاثنان لافرق أن يصرخ العم أو الأخ المهم ينزاح الخطأ ويقف العراك، كانوا يتندرون على بعضهم ويضحكون، كانت السعادة تفيض أمناً وأمانا وبساطة العيش والكل متَّحد ويأتي المساء ونبدأ بالعشاء الدقة الخضراء والرجنة والعتر والكولونجي الباذنجان وما أدراك ماطعم الباذنجان ! الأكل لذيذ يطبخ باهتمام وبتأنٍّ الآن يطبخ بعجالة أشبه بالأغاني السريعة التي لاتحس بنكهتها المحببة،
نصحى في الصباح ويبدأ العمل على لم الأشياء والاستعداد للمغادرة فالطريق طويل، ونحن نحمل ما اصطاده الرجال وقسم بينهم بطريقتهم السلسة وبطبيعة الأسر العدنية التي تنتهج الحب والتسامح والفرح وحس الفكاهة وتستمر في العزف والغناء فينشرح القلب لذلك.
تعلمنا منهم الابتسام، الصبر، التواضع، المحبة، حب الأسرة لبعضها البعض وهو الأولوية.
وحب المكان لأننا لانترك قماماتنا ونرحل، كلنا يعمل على أن يكون نظيفاً كما كان ونرحل ونحن نحمل في قلوبنا فرحة وبأذهاننا ذكريات لاتُنسى لأهل أول.