إلى غير اليمنيين حول الأحداث في اليمن والجنوب

كتب: عمر محمد العمودي
هذا المنشور موجه لغير اليمنيين المهتمين مؤخرًا بالأحداث في اليمن والقضية الجنوبية..
لفهم ما يُعرف اليوم بالقضية الجنوبية، لا بد من العودة إلى جذورها بوصفها قضية دولة ألغيت بالقوة، لا نزاعًا عابرًا أو نزعة انفصالية طارئة. وما أقدمه هنا محاولة لوضع سياق تاريخي وسياسي يفسّر ما يحدث بعيدًا عن التبسيط المخل والسرديات الجاهزة. وبلغة بسيطة وواضحة.
حتى عام 1990 كان الجنوب دولة مستقلة معترفًا بها دوليًا باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. امتلك مؤسسات دولة كاملة وجيشًا وعملة وعلاقات دبلوماسية، وكان عضوًا في الأمم المتحدة. في المقابل، كان الشمال دولة أخرى مستقلة باسم الجمهورية العربية اليمنية. لم تكن العلاقة بين الدولتين وحدة تاريخية مستمرة، بل فترات تقارب وصراع وحدود سياسية واضحة. وفي عام 1990، دخل الطرفان في مشروع وحدة سياسية طوعية. قامت الوحدة نظريًا على مبدأ الشراكة المتكافئة بين دولتين، لا على الاندماج القسري. غير أن هذه الوحدة وُلدت دون ترتيبات دستورية ضامنة، ولا آليات واضحة لحل النزاعات، ولا دمج مؤسسي حقيقي، ما جعلها هشّة منذ بدايتها. وقد حذّر عدد من المفكرين اليمنيين آنذاك، من بينهم عبدالله البردوني، من أن الوحدة أُنجزت باندفاع غير مدروس، وأن تاريخ اليمن لم يعرف استقرارًا طويلًا في ظل كيان واحد.
بعد الوحدة مباشرة، بدأت موازين القوة تميل لصالح مركز السلطة في صنعاء. ورغم أن اتفاق الوحدة نصّ على تقاسم السلطة والجيش والثروة مناصفة، إلا أن الشراكة تحولت تدريجيًا إلى هيمنة. إذ كان مركز السلطة في صنعاء بقيادة علي عبدالله صالح، يعمل منذ وقت مبكر على ذلك. وبالفعل جرى تحجيم الدور السياسي الجنوبي، وبدأ تفكيك مؤسسات الدولة الجنوبية، وتهميش كوادرها، وصولًا إلى استخدام الدين والسياسة معًا لإقصاء الجنوب.
في عام 1994، انفجرت الأزمة على شكل حرب شاملة. أعلن الجنوب فك الارتباط بعد فشل كل محاولات الإصلاح، فكان الرد غزوًا عسكريًا واسعًا قادته قوات النظام في صنعاء، مدعومة بفتوى دينية صادرة عن شيوخ الإصلاح (الإخوان المسلمين) تشرعن الحرب وتحلل دماء الجنوبيين.
حينها كان موقف السعودية واضحًا مع القضية الجنوبية؛ ورافضًا لما حدث. حيث عقدت المملكة قمة عربية ترفض فيها موقف صالح ونظام صنعاء. ولكن لم يلقِ صالح لها بالًا.. وفرض أمر واقع وانهزم الجنوب بغدر وحرب خطط لها من طرف واحد. وعندها أُلغيت الشراكة نهائيًا، وتحولت الوحدة من عقد سياسي إلى واقع مفروض بالسلاح. منذ تلك اللحظة، بدأ كثير من الجنوبيين توصيف ما جرى بأنه ضمّ قسري وليس وحدة. وبقي الكثير يسميه احتلال.
ما تلا حرب 1994 شكّل جوهر القضية الجنوبية. فقد شهد الجنوب عملية ممنهجة شملت:
– مصادرة واسعة للأراضي والممتلكات العامة والخاصة، خصوصًا في عدن.
– تسريح عشرات الآلاف من العسكريين والأمنيين والموظفين المدنيين الجنوبيين.
– إقصاء الكفاءات وإغلاق فرص المشاركة السياسية.
– تحويل الجنوب إلى هامش اقتصادي تُدار موارده من المركز دون تنمية حقيقية.
بالإضافة إلى تشرّد عدد كبير من السياسيين والكوادر الجنوبية إلى الخارج؛ بعضهم صدرت بحقه أحكام، وبعضهم اختار الرحيل على البقاء تحت سلطة لم تترك مجالًا للحياة أو الأمان. وفي الداخل أخذ الرفض أشكالًا أخرى أكثر صمتًا وأشد عنادًا. وبدأت مجموعات جنوبية من 1997 بتشكيل نواة مقاومة مبكرة لنظام علي صالح، وظلّت تتحصّن في القرى والمناطق الوعرة، محافظة على جذوة الرفض مشتعلة، وكان من بين هؤلاء عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي الحالي.
وفي عام 2007، خرج الجنوبيون في مختلف محافظاتهم في حراك جنوبي سلمي واسع، مطالبين باستعادة دولتهم وحقوقهم. كان الحراك مدنيًا في جوهره، وواجهته السلطة بالقمع والاعتقالات والقتل، وسقط شهداء في أكثر من مدينة، ما عمّق الفجوة بين الجنوب ومركز الحكم، وحوّل القضية من مطالب إصلاحية إلى مطلب سياسي واضح وهو استعادة الدولة.
ثم جاءت حرب 2015 لتنهي ما تبقّى من أوهام الوحدة، وتدفع بالقضية الجنوبية إلى طورها الأكثر حسمًا..
فقد تحالف الرئيس السابق علي عبدالله صالح مع جماعة الحوثي، وتقدّمت قواتهما لغزو عدن وعدد من مدن الجنوب، في حرب كشفت، بصورة نهائية، هشاشة فكرة “الدولة الواحدة” في الوعي الجنوبي. وجاء ذلك خصوصًا مع انحياز قوات يُفترض أنها وطنية إلى صف الغزاة، وارتكاب مجازر بحق المدنيين، واستهداف ممنهج للبنية التحتية الحيوية، ما أسقط آخر الرهانات على إمكانية الشراكة داخل كيان واحد..
ومع اتساع رقعة المواجهة، تبلورت هذه الجهود في نواة قوة جنوبية منظّمة في مواجهة الانقلاب الحوثي العفاشي. وحين تدخل التحالف العربي، وجد في الجنوب بيئة جاهزة لحليف صادق تستدعيه ذاكرة طويلة من الصراع والتعبئة السياسية المرتبطة بمشروع فك الارتباط. تشكّلت هذه القوة من مختلف الأطياف الجنوبية، متجاوزة الانقسامات السابقة، وموحّدة بفعل هدف وجودي واحد وهو الدفاع عن الأرض واستعادة القرار.
أسفر ذلك عن تحرير أرض الجنوب على امتدادها، في حين لم يتحرر من الشمال سوى جزء يسير نتيجة اختلال بنية التحالفات السياسية والعسكرية هناك. فقد شاب العلاقة بين التحالف العربي وحزب الإصلاح (الإخوان المسلمون – فرع اليمن) قدر عميق من عدم الثقة، وهو الحزب الذي تصدّر مشهد المقاومة في الشمال. ومع هذا الاختلال، تلاشت تدريجيًا رهانات تحرير صنعاء وتبددت آمال الحسم، نتيجة تصدّع الشراكة المفترضة بين أطراف كان يفترض أن تكون في خندق واحد..
في هذا السياق، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، بوصفه إطارًا سياسيًا جامعًا لتمثيل القضية الجنوبية، بعد عقود من الإقصاء وغياب الصوت المنظم.
واليوم لا يطالب الجنوبيون بتقسيم دولة قائمة بقدر ما يطالبون بتصحيح مسار تاريخي فشل، وباستعادة كيان سياسي ألغي بالقوة. القضية الجنوبية هي قضية شعب فقد دولته، وتعرّض للإقصاء والغزو والحروب، ويبحث عن مستقبل يضمن له الأمن والكرامة والقدرة على إدارة شؤونه بنفسه.
هذه هي القصة التي غالبًا لا تصل إلى الخارج. هي قصة دولة سابقة، ووحدة فاشلة، وحروب متكررة، ومطلب سياسي تشكّل عبر عقود من التجربة والمعاناة.. وليست قصة نزاع داخلي أو مشروع انفصالي بتدخل خارجي كما تروّج له السرديات الجاهزة.