عن قيم ومعاني التصالح والتسامح في الانتصار لقضية شعب الجنوب

بقلم اللواء: علي حسن زكي
باحتفالات مهيبة شهدتها محافظات الجنوب، وعاصمته التاريخية عدن، يستقبل شعبنا الجنوبي الأبي ذكرى عزيزة وغالية، هي الذكرى العشرون لانطلاقة مسيرة التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي، في 13 يناير 2006م، كقيمة إنسانية وحضارية وأخلاقية، وبما تحمله من معانٍ ودلالات في الانتصار لقضية شعب الجنوب، عبر إغلاق صفحة الماضي بكل جراحاته، وما نتج عنه من مآسٍ للوطن الجنوبي وأهله ودولته وتجربته ومنجزاته، فضلًا عن تمزيق وحدة الصف الجنوبي ونسيجه المجتمعي وتماسكه المدني والسياسي.
ولتفويت الفرصة على من حاولوا ولا يزالون حصر أحداث 13 يناير 1986م ونتائجها المؤسفة على محافظات دون أخرى، واستخدام هذه الورقة لدق إسفين بين أبناء الجنوب، ناهيك عن استثمار تلك الورقة من قبل قوى الشمال التي ظلت دومًا متربصة، وربما كان لها أيادٍ خفية أيضًا.
إن من أخطاء القيادة السياسية الدخول بالجنوب وشعبه ودولته، بكل مؤسساتها، في وحدة مايو 1990م قبل التصالح مع الذات الجنوبية وإغلاق صفحة الماضي، وليس أحداث 13 يناير 1986م فحسب، بل أيضًا أحداث 26 يونيو 1978م و22 مايو 1969م، التي حدثت جميعها بين رفاق المسيرة النضالية الواحدة، والهدف والمصير، واللون التنظيمي والسياسي الواحد، وإجراء حوار ومصالحة وطنية جنوبية، وجبر الضرر، تشمل شركاء النضال التحرري من القوى السياسية الأخرى، قبل الدخول في الوحدة.
لقد استفادت قوى الحكم في الشمال من كل هذه الأوراق المفتوحة، ومن القيادات الحزبية والحكومية والعسكرية والأمنية التي نزحت إلى الشمال بفعل تلك الأحداث المؤسفة عشية الاستقلال وبعده، وقامت بتأليبها وتعبئتها ضد الجنوب ودولته تحت غطاء إنصافهم من الاشتراكي. وحيث كان لذلك، ولما تخلله من تفكيك للبنية العسكرية والأمنية وتشتيتها وإضعافها بعد الدخول في الوحدة، وتوافر معلومات أمنية استخبارية لا ريب، أثرٌ بالغ في تحقيق قوى الحرب لمآربها الاحتلالية الغاشمة.
إن قوى الشمال، قوى حرب عام 1994م على الجنوب، قد استخدمت في الحرب كل تلك الأوراق، وساعدتها أيضًا على تحقيق أهدافها العدوانية، بعد أن أوهمت الجنوبيين أن الاشتراكي هو المستهدف، فيما اتضح لاحقًا لمن تم تأليبهم أن الجنوب وشعبه، وهم جزء منه، وكذلك دولته ومؤسساته وتجربته وأرضه وثرواته، كانوا المستهدف الحقيقي، والاشتراكي كذلك، وشمله بالفتوى التكفيرية التي أباحت غزو الجنوب ودماء وأعراض وأموال أبنائه، باعتباره دار كفر يأوي الاشتراكيين.
لقد أوردنا كل ما سلف لتبيان مدى ضرورة التصالح والتسامح، ليس فقط في إغلاق الماضي، على أهمية ذلك، بل أيضًا في وحدة الصف الجنوبي وتماسك نسيجه المجتمعي في مواجهة قوى الحرب والاحتلال وقواتها العسكرية والأمنية، وتأسيس المكونات الجنوبية على مستوى المديريات والمحافظات وعلى مستوى الجنوب. وإن تعددت مسمياتها، فقد كانت واحدة بنضالها السلمي وتضحياتها، وبهدفها الواحد: التحرير والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية.
وعلى قاعدة التصالح والتسامح، وبوحدة كل أبناء شعب الجنوب، انطلقت ثورة النضال السلمي من ساحة الحرية بخور مكسر يوم 7/7/2007م، وهزّت قوى الحراك السلمي بفعالياتها السلمية عرش قوى الاحتلال. وامتدادًا لمكونات الحراك، انبثقت المقاومة الشبابية المسلحة في التصدي لحرب عام 2015م، وتم تطهير أرض الجنوب من قواتها الغازية، ومعها بقايا قوات حرب عام 1994م الغاشمة، باستثناء قوات المنطقة العسكرية الأولى. وامتدادًا لتلك الانتصارات، واستيعابًا لتلك المكونات، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017م، وتفويضه حاملًا سياسيًا لقضية شعب الجنوب واستعادة دولته.
لقد كان للمجلس الانتقالي تجربة وطنية جنوبية متميزة لا ينكرها إلا جاحد، مع وجود أخطاء وثغرات هنا وهناك، وتصرفات فردية، ولا ريب من محسوبين عليه، أثّرت بعض الشيء عليه. ومن أهم المكاسب التي حققها الانتقالي بناء قوات عسكرية وأمنية حديثة، وحماية السيادة الوطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار.
غير أن ضعف المطبخ السياسي، كما يبدو، وربما عدم الدقة في التوقيت وقراءة تشابك وتقاطع مصالح القوى الخارجية والنتائج المفترضة، وربما وجود من أراد إيقاعه في فخ، عبر إعطائه الضوء الأخضر لإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى، والسيطرة العسكرية والأمنية على حضرموت والمهرة، وتحريرها من الإرهاب والتهريب ونهب الثروات، وهو أمر سيادي ضروري، ليتم إلحاق الضرر بقدراته العسكرية والأمنية، على النحو الذي تم، وتفكيك قواته، وهو الفخ بعينه، بقصد إضعافه عسكريًا، وصولًا إلى محاولات تمزيقه ككيان، وتفكيك وتشتيت قواته تحت عنوان الدمج.
إن كل ما سلف ذكره، برأينا، بقدر ما يحتاج إلى مراجعة تقييمية مهنية وأكاديمية وسياسية للاستفادة والبناء على كل ما هو إيجابي، فإنه يحتاج أيضًا إلى المبادرة بتأسيس جبهة وطنية جنوبية واسعة، تستوعب تمثيلًا وطنيًا جنوبيًا متوازنًا من كل ألوان الطيف، وتجسيد قيم التصالح والتسامح في الوعي والممارسة والسلوك، باعتبار كل ذلك الحصن المنيع والسياج المتين للحفاظ على الوطن ووحدته وسيادته، وتحقيق تطلعات شعبه وحقه في استعادة دولته وتقرير مصيره.